الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
قرأ أبو عمرو وابن كثير «أَنّي » بالفتح، أي : نودي بأني ﴿أَنَاْ رَبُّكَ﴾ وكسر الباقون، أي : نودي فقيل يا موسى، أو لأنّ النداء ضرب من القول فعومل معاملته. تكرير الضمير في ﴿إنى أَنَاْ رَبُّكَ﴾ لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. روي أنه لما نودي ﴿ياموسى﴾ قال : من المتكلم ؟ فقال له الله عز وجل :﴿إنى أَنَاْ رَبُّكَ﴾، وأن إبليس وسوس إليه فقال : لعلك تسمع كلام شيطان. فقال : أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع جهاتي الست، وأسمعه بجميع أعضائي. وروي : أنه حين انتهى رأى شجرة خضراء، من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد. وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نوراً عظيماً فخاف وبهت، فألقيت عليه السكينة ثم نودي، وكانت الشجرة عوسجة، وروي : كلما دنا أو بعد لم يختلف ما كان يسمع من الصوت. وعن ابن إسحاق : لما دنا استأخرت عنه، فلما رأى ذلك رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد الرجعة دنت منه، ثم كلم. قيل : أُمر بخلع النعلين لأنهما كانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ عن السدي وقتادة. وقيل : ليباشر الوادي بقدميه متبركاً به. وقيل : لأن الحفوة تواضع لله، ومن ثم طاف السلف بالكعبة حافين، ومنهم من استعظم دخول المسجد بنعليه، وكان إذا ندر منه الدخول منتعلاً تصدق، والقرآن يدل على أن ذلك احترام للبقعة وتعظيم لها وتشريف لقدسها. وروي : أنه خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي ﴿طُوًى﴾ بالضم والكسر منصرف وغير منصرف بتأويل المكان والبقعة. وقيل : مرتين، نحو ثنى أي نودي نداءين أو قدس الوادي كرة بعد كرة ﴿وَأَنَا اخترتك﴾ اصطفيتك للنبوّة.