الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ العامةُ على ضمِّ الهمزةِ مِنْ " أُخْفيها ". وفيها تأويلاتٌ، أحدُها : أن الهمزةَ في " أُخْفيها " للسَّلْبِ والإِزالةِ أي : أُزيل خفاءَها نحو : أعجمتُ الكتابَ أي : أزلْتُ عُجْمَتَه. ثم في ذلك معنيان، أحدهما : أنَّ الخفاءَ بمعنى السَّتْر، ومتى أزال سَتْرَها فقد أظهرَها. والمعنى : أنها لتحقُّق وقوعِها وقُرْبِها أكادُ أُظْهِرُها لولا ما تَقْتضيه الحكمةُ من التأخير. والثاني : أنَّ الخفاءَ هو الظهورُ كما سيأتي. والمعنى : أزيلُ ظهورَها، وإذا أزالَ ظهورَها فقد استترَتْ. والمعنى : أني لِشدَّةِ أبهامها أكاد أُخْفيها فلا أُظْهِرُها/ البتةَ، وإن كان لا بد من إظهارِها ؛ ولذلك يوجدُ في بعض المصاحف كمصحف أُبَيّ : أكاد أُخْفيها مِنْ نفسي فكيف أُظْهِرُكُمْ عليها ؟ وهو على عادةِ العرب في المبالغة في الإِخفاء قال :
وكيف يُتَصَوَّرُ كِتْمانُه مِنْ نفسه ؟
والتأويلُ الثاني : أنَّ " كاد " زائدةٌ. قاله ابنُ جُبَيْر. وأنشدَ غيرُه شاهداً عليه قولَ زيدِ الخيل :
وقال آخر :
ولا حُجَّةَ في شيءٍ منه.
والتأويل الثالث : أنَّ الكَيْدُوْدَةَ بمعنى الإِرادة ونُسِبت للأخفش وجماعةٍ، ولا ينفعُ فيما قصدوه.
والتأويل الرابع : أنَّ خبرَها محذوفٌ تقديره : أكاد آتي به لقُرْبها. وأنشدوا قول ضابىء البرجمي :
أي : وكِدْتُ أفعلُ، فالوقفُ على " أكادُ "، والابتداء ب " أُخْفيها "، واستحسنه أبو جعفر.
وقرأ أبو الدرداء وابنُ جبير والحسنُ ومجاهدٌ وحميدٌ " أَخْفيها " بفتح الهمزة. والمعنى : أُظْهرها، بالتأويل المتقدم يقال : خَفَيْتُ الشيءَ : أظهَرْتُه، وأَخْفَيْتُه : سترته، هذا هو المشهور. وقد نُقِل عن أبي الخطاب أنَّ خَفَيْتُ وأَخْفَيْتُ بمعنىً. وحُكي عن أبي عبيد أنَّ " أَخْفى " من الأضدادِ يكون بمعنى أظهر وبمعنى سَتَر، وعلى هذا تَتَّحد القراءتان. ومِنْ مجيءِ خَفَيْتُ بمعنى أظهَرْت قولُ امرىء القيس :
وقول الآخر :
قوله :﴿لِتُجْزَى﴾ هذه لامُ كي، وليسَتْ بمعنى القسمِ أي : لَتُجْزَيَنَّ كما نقله أبو البقاء عَنْ بعضهم. وتتعلَّق هذه اللامُ ب " اُخْفيها ". وجعلها بعضُهم متعلقةً ب " آتيةٌ " وهذا لا يَتِمُّ إلاَّ إذا قَدَّرْتَ أنَّ " أكاد أُخْفيها " معترضةٌ بين المتعلَّقِ والمتعلَّقِ به، أمَّا إذا جعلتَها صفةً لآتِيَةٌ فلا يتجه على مذهب البصريين ؛ لأن اسمَ الفاعلِ متى وُصِفَ لم يعملْ، فإنْ عَمِل ثم وُصِف جاز.
وقال أبو البقاء :" وقيل ب " آتِيَةٌ "، ولذلك وَقَفَ بعضُهم عليه وَقْفَةً يسيرةً إيذاناً بانفصالِها عن أخفيها ".
قوله :﴿بِمَا تَسْعَى﴾ متعلقٌ ب " تُجْزَى ". و " ما " يجوز أَنْ تكونَ مصدريةً أو موصولةً اسميةً، ولا بدَّ من مضاف أي : تُجْزى بعقابِ سَعْيها أو بعقابِ ما سَعَتْه.
| أيامَ تَصْحَبُني هندٌ وأُخْبِرُها | ما كِدْت أكتُمُه عني من الخبرِ |
والتأويلُ الثاني : أنَّ " كاد " زائدةٌ. قاله ابنُ جُبَيْر. وأنشدَ غيرُه شاهداً عليه قولَ زيدِ الخيل :
| سريعٌ إلى الهَيْجاء شاكٍ سلاحُه | فما إنْ يكادُ قِرْنُه يتنفَّسُ |
| وألاَّ ألومَ النفسَ فيما أصابني | وألا أكادَ بالذي نِلْتُ أَبْجَحُ |
والتأويل الثالث : أنَّ الكَيْدُوْدَةَ بمعنى الإِرادة ونُسِبت للأخفش وجماعةٍ، ولا ينفعُ فيما قصدوه.
والتأويل الرابع : أنَّ خبرَها محذوفٌ تقديره : أكاد آتي به لقُرْبها. وأنشدوا قول ضابىء البرجمي :
| هَمَمْتُ ولم أفْعَلْ وكِدْتُ وليتني | تَرَكْتُ على عثمانَ تَبْكي حلائِلُهْ |
وقرأ أبو الدرداء وابنُ جبير والحسنُ ومجاهدٌ وحميدٌ " أَخْفيها " بفتح الهمزة. والمعنى : أُظْهرها، بالتأويل المتقدم يقال : خَفَيْتُ الشيءَ : أظهَرْتُه، وأَخْفَيْتُه : سترته، هذا هو المشهور. وقد نُقِل عن أبي الخطاب أنَّ خَفَيْتُ وأَخْفَيْتُ بمعنىً. وحُكي عن أبي عبيد أنَّ " أَخْفى " من الأضدادِ يكون بمعنى أظهر وبمعنى سَتَر، وعلى هذا تَتَّحد القراءتان. ومِنْ مجيءِ خَفَيْتُ بمعنى أظهَرْت قولُ امرىء القيس :
| خَفَاهُنَّ مِنْ أَنْفاقِهِنَّ كأنما | خفاهُنَّ وَدْقٌ مِنْ عَشِيٍّ مُجَلِّبِ |
| فإنْ تَدْفِنوا الداءَ لا نَخْفِهِ | وإنْ تُوْقِدُوْا الحربَ لا نَقْعُدِ |
وقال أبو البقاء :" وقيل ب " آتِيَةٌ "، ولذلك وَقَفَ بعضُهم عليه وَقْفَةً يسيرةً إيذاناً بانفصالِها عن أخفيها ".
قوله :﴿بِمَا تَسْعَى﴾ متعلقٌ ب " تُجْزَى ". و " ما " يجوز أَنْ تكونَ مصدريةً أو موصولةً اسميةً، ولا بدَّ من مضاف أي : تُجْزى بعقابِ سَعْيها أو بعقابِ ما سَعَتْه.