تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، كما قال يزيد الرقاشي عند قوله :﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ : يا من يتحبب إلى من يعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه ؟
وقال وهب بن مُنَبه : قولا له : إني إلى العفو والمغفرة أقربُ مني إلى الغضب والعقوبة.
وعن عكرمة في قوله :﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قال : لا إله إلا الله، وقال(١) عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري :﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ أعْذرا إليه، قولا له : إن لك ربًا ولك معادًا، وإن بين يديك جنة ونارا.
وقال بقيَّة، عن علي بن هارون، عن رجل، عن الضحاك بن مُزَاحم، عن النزال بن سَبْرَة، عن علي في قوله :﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قال : كَنِّه.
وكذا روي عن سفيان الثوري : كَنّه بأبي مُرَّة.
والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى :﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآية [النحل: ١٢٥].
[ قوله ](٢) ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ أي : لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة، ﴿أَوْ يَخْشَى﴾ أي : يُوجد طاعة من خشية ربه، كما قال تعالى :
﴿لمن أراد أن يذكر أو يخشى﴾(٣) فالتذكر : الرجوع عن المحذور، والخشية : تحصيل الطاعة.
وقال الحسن البصري [ في قوله ](٤) ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ يقول : لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون : أهْلكْه قبل أن أعذر(٥) إليه.
وهاهنا نذكر شعر زيد بن عمرو بن نفيل، ويروى لأمَيّة بن أبي الصَّلْت فيما ذكره ابن إسحاق :
وأنت الذي من فضل مَنٍّ ورحمةبعثت إلى موسى رسولا مناديا
فقلت له يا اذهب وهارون فادعُوَاإلى الله فرعون الذي كان باغيا
فقولا له هل أنت سوّيت هذهبلا وتد حتى استقلت كما هيا
وقولا له آأنت رَفَّعت هذهبلا عمد؟ أرفق إذن بك بانيا
وقولا له آأنت سويت وسطهامنيرًا إذا ما جَنَّه الليل هاديا
وقولا له من يخرج الشمس بكرةًفيصبح ما مست من الأرض ضاحيا
وقولا له من ينبت الحب في الثرىفيصبح منه البقل يهتز رابيا
ويخرج منه حبه في رءوسه(٦)ففي ذاك آيات لمن كان واعيا(٧).
١ في أ: "وعن".
.

٢ زيادة من ف، وفي أ: "وقوله"..
٣ هكذا في كل النسخ، وليست آية..
٤ زيادة من أ..
٥ في ف: "تعذرا"، وفي أ: "يعذر"..
٦ في أ: "دويبة"..
٧ السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٢٨).
.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى