روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿الرحمن﴾ رفع على المدح أي هو الرحمن.
وجوز ابن عطية أن يكون بدلاً من الضمير المستتر في ﴿خلِقَ﴾ [طه: ٤] وتعقبه أبو حيان فقال : أرى أن مثل هذا لا يجوز لأن البدل يحل محل المبدل منه ولا يحل ههنا لئلا يلزم خلو الصلة من العائد اه، ومنع بعضهم لزوم اطراد الحلول ثم قال : على تسليمه يجوز إقامة الظاهر مقام الضمير العائد كما في قوله :
وأنت الذي في رحمة الله أطمع ***
نعم اعتبار البدلية خلاف الظاهر، وجوز أن يكون مبتدأ واللام للعهد والإشارة إلى الموصول وخبره قوله تعالى :﴿عَلَى العرش استوى﴾ ويقدر هو ويجعل خبراً عنه على احتمال البدلية، وعلى الاحتمال الأول يجعل خبراً بعد خبر لما قدر أولاً على ما في «البحر » وغيره، وروى جناح بن حبيش عن بعضهم أنه قرأ ﴿الرحمن﴾ بالجر، وخرجه الزمخشري على أنه صفة لمن. وتعقبه أبو حيان بأن مذهب الكوفيين أن الأسماء النواقص التي لا تتم إلا بصلاتها كمن وما لا يجوز نعتها إلا الذي والتي فيجوز نعتهما فعندهم لا يجوز هذا التخريج فالأحسن أن يكون ﴿الرحمن﴾ بدلاً من ﴿مِنْ﴾ وقد جرى في القرآن مجرى العلم في وقوعه بعد العوامل، وقيل : إن ﴿مِنْ﴾ يحتمل أن تكون نكرة موصوفة وجملة ﴿خُلِقَ﴾ صفتها و ﴿الرحمن﴾ صفة بعد صفة وليس ذاك من وصف الأسماء النواقص التي لا تتم إلا بصلاتها غاية ما في الباب أن فيه تقديم الوصف بالجملة على الوصف بالمفرد وهو جائز اه وهو كما ترى.
وجملة ﴿عَلَى العرش استوى﴾ على هذه القراءة خبر هو مقدراً، والجار والمجرور على كل الاحتمالات متعلق باستوى قدم عليه لمراعاة الفواصل، و ﴿العرش﴾ في اللغة سرير الملك وفي الشرع سرير ذو قوائم له حملة من الملائكة عليهم السلام فوق السموات مثل القبة، ويدل على أن له قوائم ما أخرجاه في «الصحيحين » عن أبي سعيد قال : جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ قد لطم وجهه فقال : يا محمد رجل من أصحابك قد لطم وجهي فقال النبي عليه الصلاة والسلام : ادعوه فقال : لم لطمت وجهه ؟ فقال : يا رسول الله إني مررت بالسوق وهو يقول : والذي اصطفى موسى على البشر فقلت : يا خبيث وعلى محمد ﷺ فأخذتني غضبة فلطمته فقال النبي ﷺ :" لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون وأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى عليه السلام آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور " وعلى أن له حملة من الملائكة عليهم السلام قوله تعالى :﴿الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧].
وما رواه أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال :" أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش أن ما بين أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة " وعلى أنه فوق السموات مثل القبة ما رواه أبو داود أيضاً عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال : أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال : يا رسول الله جهدت الأنفس ونهكت الأموال أو هلكت فاستسق لنا فإنا نستشفع بك إلى الله تعالى ونستشفع بالله تعالى عليك فقال رسول الله ﷺ :" ويحك أتدري ما تقول ؟ وسبح رسول الله ﷺ فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال : ويحك أنه لا يستشفع بالله تعالى على أحد من خلقه شأن الله تعالى أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن الله تعالى فوق عرشه وعرشه فوق سمواته لهكذا وقال بأصابعه مثل القبة وأنه ليئط به أطيط الرحل الجديد بالراكب " ومن شعر أمية بن أبي الصلت :
مجدوا الله فهو للمجد أهلربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء العالي الذي بهر الناس وسوى فوق السماء سريرا
شرجعا لا يناله طرف العين ترى حوله الملائك صورا
وذهب طائفة من أهل الكلام إلى أنه مستدير من جميع الجوانب محيط بالعالم من كل جهة وهو محدد الجهات وربما سموه الفلك الأطلس والفلك التاسع. وتعقبه بعض شراح عقيدة الطحاوي بأنه ليس بصحيح لما ثبت في الشرع من أن له قوائم تحمله الملائكة عليهم السلام، وأيضاً أخرجا في «الصحيحين » عن جابر أنه قال : سمعت النبي ﷺ يقول :" اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ " والفلك التاسع عندهم متحرك دائماً بحركة متشابهة، ومن تأول ذلك على أن المراد باهتزازه استبشار حملة العرش وفرحهم فلا بد له من دليل على أن سياق الحديث ولفظه كما نقل عن أبي الحسن الطبري. وغيره بعيد عن ذلك الاحتمال، وأيضاً جاء في «صحيح مسلم » من حديث جويرية بنت الحرث ما يدل على أن له زنة هي أثقل الأوزان والفلك عندهم لا ثقيل ولا خفيف، وأيضاً العرب لا تفهم منه الفلك والقرآن إنما نزل بما يفهمون.
وقصارى ما يدل عليه خبر أبي داود عن جبير بن مطعم التقبيب وهو لا يستلزم الاستدارة من جميع الجوانب كما في الفلك ولا بد لها من دليل منفصل. ثم إن القوم إلى الآن بل إلى أن ينفخ في الصور لا دليل لهم على حصر الأفلاك في تسعة ولا على أن التاسع أطلس لا كوكب فيه وهو غير الكرسي على الصحيح فقد قال ابن جرير : قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض ». وروى ابن أبي شيبة في كتاب صفة العرش. والحاكم في مستدركه وقال : إنه على شرط الشيخين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى، وقد روي مرفوعاً والصواب وقفه على الحبر، وقيل : العرش كناية عن الملك والسلطان. وتعقبه ذلك البعض بأنه تحريف لكلام الله تعالى وكيف يصنع قائل ذلك بقوله تعالى :﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية﴾ [الحاقة: ١٧] أيقول ويحمل ملكه تعالى يومئذٍ ثمانية، وقوله عليه الصلاة والسلام :«فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش » أيقول آخذ بقائمة من قوائم الملك وكلا القولين لا يقولهما من له أدنى ذوق، وكذا يقال : أيقول في «اهتز عرش الرحمن » الحديث اهتز ملك الرحمن وسلطان، وفيما رواه البخاري. وغيره عن أبي هريرة مرفوعاً «لما قضى الله تعالى الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي فهو عنده سبحانه وتعالى فوق الملك والسلطان » وهذا كذينك القولين، والاستواء على الشيء جاء بمعنى الارتفاع والعلو عليه وبمعنى الاستقرار كما في قوله تعالى :﴿واستوت عَلَى الجودي﴾ [هود: ٤٤] ﴿لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وحيث كان ظاهر ذلك مستحيلاً عليه تعالى قيل : الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء كما في قوله :
قد استوى بشر على العراق ***
وتعقب بأن الاستيلاء معناه حصول الغلبة بعد العجز، وذلك محال في حقه تعالى، وأيضاً إنما يقال : استولى فلان على كذا إذا كان له منازع ينازعه وهو في حقه تعالى محال أيضاً، وأيضاً إنما يقال ذلك إذا كان المستولى عليه موجوداً قبل والعرش إنما حدث بتخليقه تعالى وتكوينه سبحانه، وأيضاً الاستيلاء واحد بالنسبة إلى كل المخلوقات فلا يبقى لتخصيص العرش بالذكر فائدة.
وأجاب الإمام الرازي بأنه إذا فسر الاستيلاء بالاقتدار زالت هذه المطاعن بالكلية، ولا يخفى حال هذا الجواب على المنصف، وقال الزمخشري : لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك لا يحصل إلا مع الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا : استوى فلان على العرش يريدون ملك وإن لم يقعد على العرش البتة وإنما عبروا عن حصول الملك بذلك لأنه أشرح وأبسط وأدل على صورة الأمر ونحوه قولك : يد فلان مبسوطة ويد فلان مغلولة بمعنى أنه جواد أو بخيل ولا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت حتى أن من لم يبسط يده قط بالنوال أو لم تكن له يد رأساً قيل فيه يده مبسوطة لمساواته عندهم قولهم : جواد ومنه قوله تعالى :﴿وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله﴾ [المائدة: ٦٤] الآية عنوا الوصف بالبخل ورد عليهم بأنه جل جلاله جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط انتهى، وتعقبه الإمام قائلاً : إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية فإنهم يقولون أيضاً : المراد من قوله تعالى :﴿اخلع نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] الاستغراق في خدمة الله تعالى من غير تصور نعل، وقوله تعالى :﴿يا نار كُونِي بَرْداً وسلاما على إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٩] المراد منه تخليص إبراهيم عليه السلام عن يد ذلك الظالم من غير أن يكون هناك نار وخطاب البتة. وكذا القول في كل ما ورد في كتاب الله تعالى بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقته إلا إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه، وليست من لم يعرف شيئاً لم يخص فيه انتهى، ولا يخفى عليك أنه لا يلزم من فتح الباب في هذه الآية انفتاح تأويلات الباطنية فيما ذكر من الآيات إذ لا داعي لها هناك والداعي للتأويل بما ذكره الزمخشري قوي عنده، ولعله الفرار من لزوم المحال مع رعاية جزالة المعنى فإن ما اختاره أجزل من معنى الاستيلاء سواء كان معنى حقيقياً للاستواء كما هو ظاهر كلام الصحاح والقاموس وغيرهما أو مجازياً كما هو ظاهر جعلهم الحمل عليه تأويلاً. واستدل الإمام على بطلان إرادة المعنى الظاهر بوجوه. الأول : أنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولما خلق الخلق لم يحتج إلى ما كان غنياً عنه. الثاني : أن المستقر على العرش لا بد وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الجزء الحاصل منه في يساره فيكون سبحانه وتعالى في نفسه مؤلفاً وهو محال في حقه تعالى للزوم الحدوث. الثالث : أن المستقر على العرش أما أن يكون متمكناً من الانتقال والحركة ويلزم حينئذٍ أن يكون سبحانه وتعالى محل الحركة والسكون وهو قول بالحدوث أو لا يكون متمكناً من ذلك فيكون جل وعلا كالزمن بل أسوأ حالاً منه تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا. الرابع : أنه إن قيل بتخصيصه سبحانه وتعالى بهذا المكان وهو العرش احتيج إلى مخصص وهو افتقار ينزه الله تعالى عنه، وإن قيل بأنه عز وجل يحصل بكل مكان لزم مالاً يقوله عاقل. الخامس : أن قوله تعالى :﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء﴾ [الشورى: ١١] عام في نفي المماثلة فلو كان جالساً لحصل من يماثله في الجلوس فحينئذٍ تبطل الآية. السادس : أنه تعالى لو كان مستقراً على العرش لكان محمولاً للملائكة لقوله تعالى :﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية﴾ [الحاقة: ١٧] وحامل حامل الشيء حامل لذلك الشيء وكيف يحمل المخلوق خالقه. السابع : أنه لو كان المستقر في المكان إلهاً ينسد باب القدح في الهية الشمس والقمر.
الثامن : أن العالم كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلى قوم هي تحت بالنسبة إلى آخرين وبالعكس فيلزم من إثبات جهة الفوق للمعبود سبحانه إثبات الجهة المقابلة لها أيضاً بالنسبة إلى بعض، وباتفاق العقلاء لا يجوز أن يقال : المعبود تحت.
التاسع : أن الأمة أجمع على أن قوله تعالى :﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [ الصمد : ١ ] من المحكمات وعلى فرض الاستقرار على العرش يلزم التركيب والانقسام فلا يكون سبحانه وتعالى أحداً في الحقيقة فيبطل ذلك المحكم.
العاشر : أن الخليل عليه السلام قال :﴿لا أُحِبُّ الافلين﴾ [الأنعام: ٧٦] فلو كان تعالى مستقراً على العرش لكان جسماً آفلاً أبداً فيندرج تح

تفسير هذه الآية من كتب أخرى