اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
( فصل(١) )(٢)
قوله :﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ اعلم أن فرعون لما شاهد منهم السجود والإقرار خاف أنْ يصير(٣) ذلك سبباً لاقتداء سائر الناس بهم في الإيمان بالله وبرسوله ففي الحال ألقى هذه الشبهة في النبي(٤)، وهي مشتملة(٥) على التنفير من وجهين :
الأول : أن الاعتماد على أول خاطر لا يجوز بل لا بد فيه من البحث، والمناظرة، والاستعانة بخواطر الغير، فلمَّا لم تفعلوا شيئاً من ذلك بل في الحال " آمَنْتُمْ لَهُ " دَلَّ ذلك على أن(٦) إيمانكم ليس عن(٧) بصيرة بل لسبب آخر.
والثاني : قوله :﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ يعني : أنكم تلامذته في السحر، فاصطلحتم(٨) على أن تظهروا العجز من أنفسكم ترويجاً لأمره وتفخيماً لشأنه. ثم بعد إيراد هذه الشبهة اشتغل بالتهديد تنفيراً لهم عن الإيمان، وتنفيراً لغيرهم عن الاقتداء بهم، فقال :﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ﴾(٩).
قوله :﴿لأُقَطِّعَنَّ﴾ تقدم نحوه(١٠)، و " مِنْ خِلاَفٍ " حال أي مختلفة و " مِنْ " لابتداء الغاية، وتقدم تحرير(١١) هذا، وما قرئ به وقوله :﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ يحتمل أن يكون حقيقة، ففي التفسير(١٢) أنه نَقَّر(١٣) جذوع النخل حتى(١٤) جوَّفَها ووضعَهُم(١٥) فيها فماتوا(١٦) جوعاً وعطشاً(١٧) وأن يكون مجازاً، وله وجهان :
أحدهما(١٨) : أنه وضع ( في ) مكان(١٩) ( عَلَى )، والأصل : على جذوع النخل(٢٠)، كقول الآخر(٢١) :
بَطَلٌ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍيُحْذَى نِعَالَ السَّبْتِ لَيْسَ ( بتَوْأَمِ(٢٢) )(٢٣)
والثاني : أنه شبه تمكنهم بتمكن مَنْ حواء الجذع واشتمل عليه، شبه تمكن المصلوب في الجِذْعِ بتمكُّن الشيء(٢٤) الموعَى في وعائه، فلذلك قيل(٢٥) " فِي جُذُوعِ النَّخْلِ " (٢٦). ومِنْ تَعدِّي ( صَلَبَ ) ب ( فِي ) قوله :
وَقَدْ صَلَبُوا العَبْدِيَّ فِي جِذْعِ(٢٧) نَخْلَةٍفَلاَ عَطَسَتْ شَيْبَانُ إلاَّ بِأَجْدَعَا(٢٨)
قوله :﴿أيُّنَا أَشَدُّ﴾ مبتدأ وخبر، وهذه الجملة سادة مسد المفعولين إنْ كانت ( علم ) على بابها(٢٩)، ومسد واحد(٣٠) إنْ كانت عِرفَانِيَّة(٣١). ويجوز على جعلها عِرْفَانِية أن تكون " أيْنَا " موصولة بمعنى ( الذي ) وينبت لأنها قد أضيفت وحذف صدر صلتها و " أَشَدُّ " خبر مبتدأ محذوف، والجملة من ذلك المبتدأ وهذا(٣٢) الخبر صلة ل " أَيّ "، و " أَيُّ " وما في خبرها في محل نصب مفعولاً به كقوله تعالى :﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن﴾(٣٣) في أحد وجهيه كما تقدم(٣٤). و أراد بقوله :" أينا " نفسه – لعنة الله - وموسى(٣٥)، لقوله(٣٦) :﴿آمنتم له﴾(٣٧) و ﴿أَشَدُّ عذاباً﴾ أي : أَنَّا عَلى إيمانُكم بهِ أو رَبّ موسى على ترك الإيمان به، " وَأَبْقَى " أي : أَدْوَمْ(٣٨).
فإن قيل(٣٩) : إنَّ فرعون مع قرب عهده بمشاهدة انقلاب العصا حيَّة عظيمة، وذكر أنها قصدت ابتلاع قصر فرعون، وآلَ الأمرُ إلى أنْ استغاثَ بموسى من شر(٤٠) ذلك الثعبان، فمع قرب عهده بذلك، وعجزه عن(٤١) دفعه كيف يعقل أن يهدد السحرة، ويبالغ في وعيدهم إلى هذا الحد، ويستهزئ بموسى، ويقول :" أيّنا أَشَدُّ عذاباً " ؟
فالجواب : يجوز أن يقال : إنَّه كان في أشد الخوف في قلبه إلا أنَّه كان يظهر الجلادة والوقاحة تمشيةٌ لِنَامُوسِهِ، وترويجاً لأمره.
ومن استقرى أحوال أهل العالم علم أنَّ العاجز(٤٢) قد يفعل أمثال هذه الأشياء، ويدل على صحة ذلك أن كل عاقل يعلم بالضرورة أن عذابَ الله أشدُّ من عذاب البشر، ثم إنه(٤٣) أنكر ذلك.
وأيضاً : فقد كان عالماً بكذبه في قوله :﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ لأنه علم أنْ موسى ما خالطهم البتة، وما لقيهم، وكان يعرف من سحرته ويعرف أستاذ كل واحد من هو، وكيف حصَّلَ ذلك العلم، ثم إنه مع ذلك قال هذا الكلام، فثبت أن سبيله في ذلك(٤٤) ما ذكرناه، وقال(٤٥) ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا في النهار سحرة، وفي آخره شهداء(٤٦).
١ ذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٨٧..
٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٣ في ب أن يكون..
٤ في النبي: سقط من ب..
٥ ي ب: وهي تدل. وهو تحريف..
٦ أن : سقط من ب..
٧ عن: سقط من ب..
٨ في ب: واصطلحتم..
٩ ما بين القوسين سقط من ب..
١٠ عند قوله تعالى: ﴿لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين﴾ [الأعراف: ١٢٤].
وذكر ابن عادل هناك: وقرأ مجاهد وابن جبير وحميد المكي وابن محيصن "لأقطعن" مخففا من قطع الثلاثي، وكذا "لأصلبنكم" من صلب الثلاثي، وروى ضم اللام وكسرها وهما لغتان في المضارع يقال: صلبه يصلبه ويصلبه. وقوله: "من خلاف" يحتمل أن يكون المعنى أنه يقطع من كل شق طرفا فيقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى فيكون من خلاف "حالا"، أي: مختلفة، ويحتمل أن يكون المعنى "لأقطعن" لأجل مخالفتكم إياي فتكون "من" تعليلية. انظر اللباب ٤/٨٥..

١١ في ب: تجويز. وهو تحريف..
١٢ ي ب: يحتمل أن يكون في التفسير. وهو تحريف..
١٣ في ب: يقرأ. وهو تحريف..
١٤ في ب: حفر. وهو تحريف..
١٥ في ب: ووصفهم. وهو تحريف..
١٦ في ب: فيموتوا. وهو تحريف..
١٧ قال أبو البقاء: "قوله تعالى: "في جذوع النخل": في هنا على بابها، لأن الجذع مكان للمصلوب ومحتو عليه) التبيان ٢/٨٩٧)..
١٨ ي ب: الأول..
١٩ في ب: موضع..
٢٠ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٦٨، التبيان ٢/٨٩٧..
٢١ في ب: كقوله..
٢٢ البيت من بحر الكامل، وهو من معلقة عنترة بن شداد.
والشاهد فيه أن (في) بمعنى (على) أي: على سرحة..

٢٣ ما بين القوسين في ب: يعوام..
٢٤ ي ب: في الجذع كالشيء..
٢٥ ي ب: قال. وهو تحريف..
٢٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/٨٧..
٢٧ في ب: جذوع. وهو تحريف..
٢٨ البيت من بحر الطويل قاله سويد بن أبي كاهل اليشكري، ونسبه ابن جني في الخصائص لامرأة من العرب. وهو في مجاز القرآن ٢/٢٤، المقتضب ٢/٣١٨، الكامل ٢/١٠٠١، معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٦٨، الخصائص ٢/٣١٣، أمالي ابن الشجري ٢/٣٦٧ ابن يعيش ٨/٢١، القرطبي ١١/٢٢٤ اللسان (عبد) المغني ١/١٦٨ شرح شواهده ١/٣٧٩.
العبديّ: نسبة إلى عبد القيس. الأجدع: الأنف المقطوع. والشاهد فيه تعدي (صلب) بـ (في). أو على أن (في) بمعنى (على)..

٢٩ في ب: إن كانت علما بأينا، وهو تحريف..
٣٠ في ب: ومسدا واحدا. وهو تحريف..
٣١ وذلك لأن (علم) إذا كانت بمعنى أيقن تعدت إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر نحو قوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠] وإن كانت بمعنى عرف تعدت إلى مفعول واحد نحو قوله تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ [النحل: ٧٨] انظر الهمع ١/١٤٩..
٣٢ ذا: سقط من ب..
٣٣ مريم: ٦٩]..
٣٤ ي أوائل السورة..
٣٥ في ب: وموسى عليه الصلاة والسلام..
٣٦ في ب: بقوله..
٣٧ بق إلى تقرير هذا المعنى العلامة الزمخشري ٢/٤٤١..
٣٨ نظر تفسير البغوي ٥/٤٤٣..
٣٩ من هنا نقله ابن عادل عن تفسير الفخر الرازي ٢٢/٨٨..
٤٠ شر : سقط من ب..
٤١ ي الأصل: و. وهو تحريف..
٤٢ في ب: الفاجر. وهو تحريف..
٤٣ أنه: سقط من الأصل..
٤٤ ي ب: سبيل ذلك. وهو تحريف..
٤٥ في ب: فصل قال..
٤٦ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٨٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى