فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ﴾ يقال : آمن له وآمن به، فمن الأوّل : قوله :﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، ومن الثاني : قوله في الأعراف :﴿آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذن لكم﴾ [الأعراف: ١٢٣]. وقيل : إن الفعل هنا متضمن معنى الاتباع. وقرئ على الاستفهام التوبيخي، أي كيف آمنتم به من غير إذن مني لكم بذلك ؟ ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ أي إن موسى لكبيركم، أي أسحركم وأعلاكم درجة في صناعة السحر، أو معلمكم وأستاذكم كما يدلّ عليه قوله :﴿الذي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ قال الكسائي : الصبي بالحجاز إذا جاء من عند معلمه قال : جئت من عند كبيري. وقال محمد بن إسحاق : إنه لعظيم السحر. قال الواحدي : والكبير في اللغة : الرئيس، ولهذا يقال للمعلم : الكبير. أراد فرعون بهذا القول أن يدخل الشبهة على الناس حتى لا يؤمنوا، وإلا فقد علم أنهم لم يتعلموا من موسى، ولا كان رئيساً لهم، ولا بينه وبينهم مواصلة ﴿فَلأُقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ﴾ أي : والله لأفعلنّ بكم ذلك. والتقطيع للأيدي والأرجل من خلاف هو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، و«من » للابتداء ﴿وَلأُصَلّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ أي على جذوعها كقوله :﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] أي عليه، ومنه قول سويد بن أبي كاهل :
وإنما آثر كلمة «فِي » للدلالة على استقرارهم عليها كاستقرار المظروف في الظرف ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى﴾ أراد : لتعلمنّ هل أنا أشدّ عذاباً لكم أم موسى ؟ ومعنى ﴿أبقى﴾ : أدوم، وهو يريد بكلامه هذا : الاستهزاء بموسى، لأن موسى لم يكن من التعذيب في شيء، ويمكن أن يريد : العذاب الذي توعدهم به موسى إن لم يؤمنوا. وقيل : أراد بموسى ربّ موسى على حذف المضاف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر﴾ قال : أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر بالفَرَما، قال : علموهم تعليماً لا يغلبهم أحد في الأرض. قال ابن عباس : فهم من الذين آمنوا بموسى، وهم الذين قالوا :﴿آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر﴾. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي في قوله :﴿والله خَيْرٌ وأبقى﴾ قال : خير منك إن أطيع، وأبقى منك عذاباً إن عصى. وأخرج أحمد ومسلم وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ خطب فأتى على هذه الآية :﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى﴾ فقال رسول الله ﷺ :( أما أهلها الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا بأهلها فإن النار تميتهم إماتة، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى بهم ضبائر على نهر يقال له : الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل» وأخرج أبو داود وابن مردويه عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ﷺ :( إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدريّ في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما )، وفي الصحيحين بلفظ :( إن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء ).
| هم صلبوا العبديّ في جذع نخلة | فلا عطست شيبان إلا بأجدعا |