غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
﴿قال﴾ أي { السامري { بصرت بما لم يبصروا به } قال ابن عباس ورواه أبو عبيدة : علمت بما لم يعلموا به من البصارة. يعني العلم. وقال الآخرون : رأيت بما لم تروه فالباء للتعدية، رجح العلماء قراءة الغيبة على الخطاب احترازاً من نسبة عدم البصارة إلى النبي ﷺ. والقبضة بالفتح مصدر بمعنى المفعول وهو المقبوض بجميع الكف. عامة المفسرين على أن المراد بالرسول جبريل عليه السالم وأثره التراب الذي أخذه من موقع حافر دابته واسمها حيزوم فرس الحياة. ومتى رآه ؟ الأكثرون على أنه رآه يوم فلق البحر كان جبريل على الرمكة وفرعون على حصان وكان لا يدخل البحر، فتقدم جبريل فتبعه فرس فرعون. وعن علي رضي الله عنه أن جبريل لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس وكان راكب حيزوم فقال : إن لهذا شأناً فقبض من تربة موطئه. فمعنى الآية فقبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد. ثم من المفسرين من جوز أن السامري لم يعرف أنه جبريل ومنهم من قال : إنه عرفه. عن ابن عباس : إنما عرفه لأنه رباه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بقتل أولاد بني إسرائيل. فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس. فكان السامري أخذه جبريل وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه. وقال أبو مسلم : إطلاق الرسول على جبريل في المقام من غير قرينة تكليف بعلم الغيب. وأيضاً تخصيص السامري من بين الناس برؤية جبريل وبمعرفة خاصية تراب حافر دابته لا يخلو عن تعسف، ولو جاز اطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول : لعل موسى اطلع على شيء آخر لأجله قدره على الخوارق. فالأولى أن يراد بالرسول موسى فقد يواجه الحاضر بلفظ الغائب كما يقال : ما قول الأمير في كذا ؟ ويكون إطلاق الرسول منه على موسى نوعاً من التهكم لأنه كان كافراً به مكذباً. وأراد بأثره سنته ورسمه من قولهم " فلان يقفو أثر فلان " أي عرفت أن الذي عليه ليس بحق وقد كنت قبضت شيئاً من سنتك فطرحتها. فعلى قول العامة يكون قوله :﴿وكذلك سوّلت لي نفسي﴾ إشارة إلى ما أوحي إليه وليه الشيطان أن تلك التربة إذا نبذت على الجماد صار حيواناً. وعلى قول أبي مسلم يشير إلى أن اتباع أثرك كان من تسويلات النفس الأمارة فلذلك تركته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿ولقد أوحينا إلى موسى﴾ القلب ﴿أن أسر بعبادي﴾ وهم صفات القلب من الأخلاق الحميدة سر بهم من مصر البشرية إلى بحر الروحانية. ﴿فاضرب لهم﴾ بعصا الذكر ﴿طريقاً يبساً﴾ من ماء الهوى وطين الصفات الحيوانية وباقي التأويل كما مر في " يونس " ﴿ونزلنا عليكم﴾ منّ صفاتنا وسلوى أخلاقنا فاتصفوا بطيبات أخلاقنا ﴿ولا تطغوا فيه﴾ بإفشاء أسرار الربوبية إلى غيرنا كمن قال : أنا الحق وسبحاني. فإن الحالات لا تصلح للمقاولات. ﴿وإني لغفار لمن﴾ رجع عن الطغيان ﴿وآمن﴾ بالربوبية ﴿وعمل صالحاً﴾ في مقام العبودية ﴿ثم اهتدى﴾ فتحقق أن حضرة الربوبية منزهة عن دنس الوهم والخيال ومقام الوصال مباين للقيل والقال. ﴿وعجلت إليك﴾ فيه أن الشوق إذا غلب انقطع العلائق وأن مطلوب السائل لا ينبغي أن يكون إلا رضا الله. ﴿قد فتنّا قومك من بعدك﴾ فيه أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بالنبي والشيخ. ﴿بملكنا﴾ أي بإرادتنا ومشيئتنا ولكن بإرادة الله ومشيئته. ﴿فكذلك ألقى السامري﴾ من غير اختيار منه ولكن باضطرار من القدر ﴿يا ابن أم﴾ قيل خاطبه بذلك ليذكره قول الملائكة : يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الأرباب. ﴿فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها﴾ فيه أن الكرامة لأهل الكرامة كرامة ولأهل الغرامة استدراج وفتنة فيصرفونها في الباطل والطبيعة لا في الحق والحقيقة. قوله :﴿لا مساس﴾ فيه معارضة بنقيض مقصود من أراد الجمعية والغلبة واتباع الناس إياه، فعدت بالتفرد والتوحش والنفار عن الخلق ﴿زرقا﴾ إن الوجه أشرف أعضاء الإنسان والعين أشرف أعضاء الوجه، وزرق العين دلالة على خروجها عن الاعتدال، وإذا كان أشرف الأعضاء خارجاً عن الاعتدال فما ظنك بغيرها ؟ وكذا بالأخلاق التابعة للأمزجة. ﴿وعنت الوجوه﴾ أي كل جهة بها يستند الممكن إلى الواجب. ﴿يتبعون الداعي﴾ لأن كل ناس تدعى بإمامهم فيتبعونه ألبتة وأهل الله لا يفرون إلا إلى الله في قوله :﴿والله يدعوا إلى دار السلام﴾ [يونس: ٢٥] وعلى الله المستعان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى