اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية﴾ تقدم الكلام على نظيره في البقرةِ(١) والنحل(٢). والمعنى واضرب لأجلهم مثلاً، أو اضرب(٣) لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلاً أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية. فعلى الأول لمَّا قال تعالى :﴿إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ [يس: ٣] وقال :﴿لِتُنذِرَ قَوْماً﴾ [يس: ٦] قال : قل لهم ما أنا بدعاً من الرسل بل ( قبلي )(٤) بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة. وعلى الثاني لما قال تعالى : إن الإنذار لا ينفع من أضله اللَّهُ وكتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبي عليه ( الصلاة و ) السلام : فلا بأس واضرب لنفسك ولقومك «مثلاً »(٥) أي مَثِّلْ لهم عند نفسك مثلاً بأصحاب القرية، حيث جاءهم ثلاثةُ رُسُل فم يؤمنوا، وصبر الرسل على القتل والإيذاء وأنت جئتهم واحداً وقومك أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم جاءوا قريةً وأنت بعثت إلى العالم.
قوله :﴿أَصْحَابَ القرية﴾ أي واضرب لهم مثلاً ( مَثَلَ )(٦) أصحاب القرية، فترك «المَثَلَ » وأقيم «الأصحاب » مُقامه في الإعراب كقوله :﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢].
قال الزمخشري(٧) : وقيل : لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى اجعل أصحاب القرية لهم مثلاً أو مثل أصحاب القرية بهم(٨). قال المفسرون : المراد بالقرية أنْطَاكية.
قوله :﴿إِذْ جَآءَهَا﴾ بدل اشتمال. قال الزمخشري :«إذْ » منصوبة لأنها بدل من أصْحَابِ القَرْيَة كأنه تعالى قال : واضْرِب لهم وقت مجيء المرسلين ومثل ذلك الوقت بوقتِ مُحَمَّد(٩).
وقيل : منصوب بقوله :«اضْرِبْ »(١٠) أي اجعل الضرب كأنه حين مجيئهم وواقع فيه. والمرسلون من قوم عيسى وهم أقرب مُرْسَلٍ أُرْسل إلى قوم إلى زمان محمد - عليه ( الصلاة و ) السلام- وهم ثلاثة.
١ عند قوله تعالى: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة﴾ الآية ٢٦ من سورة البقرة..
٢ عند :﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا﴾ و ﴿ضرب الله مثلا رجلين﴾ الآيتين ٧٤ و ٧٥ من سورة النحل..
٣ الرازي ٢٦/٥٠: ف "مثلا" مفعول أول و "أصحاب القرية" مفعول ثان.. ويجوز أن يكون "أصحاب القرية" بدلا من "مثلا" والتقدير واضرب لهم مثلا مثل أصحاب. انظر: البيان ٢/٩٢ والتبيان ١٠٧٩والمشكل ٢/٢٣ والمختار الأول..
٤ سقط من "ب"..
٥ كذلك..
٦ سقط كذلك من "ب"..
٧ الكشاف ٣/٣١٧، فيكون الثاني بيانا أو بدلا من الأول. وهذا الرأي قاله مكي أيضا في مشكل إعراب القرآن ٢/٢٢٣ والأنباري في البيان ٢/٢٩٢ وأبو البقاء في التبيان ١٠٧٩ ومفهوم من كلام الزجاج في معاني القرآن ٤/٢٨١ كما ذكره أبو جعفر النحاس في الإعراب ٤/٣٨٧ وعلى هذا "ضرب" بمعنى ذكر..
٨ رجحه مكي قال: هو الأحسن انظر: مشكل إعراب القرآن له ٢/٢٢٣ والدر المصون ٤/٤٩٩ والرازي ٢٦/٥٠ والبيان ٢/٢٩٢ والتبيان ١٠٧٩..
٩ الكشاف ٣/٣١٧..
١٠ هو قول الرازي في المرجع السابق ٢٦/٥٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى