فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أصحاب القرية﴾ قد تقدّم الكلام على نظير هذا في سورة البقرة، وسورة النمل، والمعنى : اضرب لأجلهم مثلاً، أو اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية مثلاً، أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية، فعلى الأوّل لما قال تعالى :﴿إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ [يس: ٣] وقال :﴿لِتُنذِرَ قَوْماً﴾ [يس: ٦] قال : قل لهم : ما أنا بدعا من الرسل، فإن قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون، وأنذروهم بما أنذرتكم، وذكروا التوحيد، وخوّفوا بالقيامة، وبشروا بنعيم دار الإقامة. وعلى الثاني لما قال : إن الإنذار لا ينفع من أضله الله، وكتب عليه أنه لا يؤمن، قال للنبي ﷺ : اضرب لنفسك، ولقومك مثلاً : أي مثل لهم عند نفسك مثلاً بأصحاب القرية حيث جاءهم ثلاثة رسل، ولم يؤمنوا، وصبر الرسل على الإيذاء، وأنت جئت إليهم واحداً، وقومك أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم جاءوا إلى أهل القرية، وأنت بعثتك إلى الناس كافة. والمعنى : واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية : أي اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية، فترك المثل، وأقيم أصحاب القرية مقامه في الإعراب. وقيل : لا حاجة إلى الإضمار، بل المعنى : اجعل أصحاب القرية لهم مثلاً على أن يكون ﴿مثلاً﴾ و﴿أصحاب القرية﴾ مفعولين لاضرب، أو يكون أصحاب القرية بدلاً من مثلاً، وقد قدّمنا الكلام على المفعول الأوّل من هذين المفعولين هل هو : مثلاً، أو أصحاب القرية. وقد قيل : إن ضرب المثل يستعمل تارة في تطبيق حالة غريبة بحالة أخرى مثلها كما في قوله :﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأة نُوحٍ وامرأة لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠]، ويستعمل أخرى في ذكر حالة غريبة، وبيانها للناس من غير قصد إلى تطبيقها بنظيره لها كما في قوله :﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال﴾ [إبراهيم: ٤٥] أي بينا لكم أحوالاً بديعة غريبة : هي في الغرابة كالأمثال ؛ فقوله سبحانه هنا :﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً﴾ يصح اعتبار الأمرين فيه. قال القرطبي : هذه القرية هي : أنطاكية في قول جميع المفسرين.
وقوله :﴿إِذْ جَاءَهَا المرسلون﴾ بدل اشتمال من أصحاب القرية، والمرسلون : هم أصحاب عيسى، بعثهم إلى أهل أنطاكية للدّعاء إلى الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله :﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أصحاب القرية﴾ قال : هي أنطاكية. وأخرج ابن أبي حاتم عن بريدة مثله. وأخرج ابن سعد، وابن عساكر من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال : كان بين موسى بن عمران، وبين عيسى ابن مريم ألف سنة وتسعمائة سنة، ولم يكن بينهما فترة، وأنه أرسل بينهما ألف نبيّ من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى، والنبي ﷺ خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، بعث في أوّلها ثلاثة أنبياء، وهو قوله :﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾، والذي عزّز به شمعون، وكان من الحواريين، وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولاً أربعمائة سنة وأربع وثلاثون سنة.
وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله :﴿طائركم مَّعَكُمْ﴾ قال : شؤمكم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ﴾ قال : هو حبيب النجار. وأخرج ابن أبي حاتم عنه من وجه آخر، قال : اسم صاحب يس : حبيب، وكان الجذام قد أسرع فيه. وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال : لما قال صاحب يس ﴿يا قوم اتبعوا المرسلين﴾ خنقوه ؛ ليموت، فالتفت إلى الأنبياء، فقال :﴿إِنّى ءامَنتُ بِرَبّكُمْ فاسمعون﴾ أي فاشهدوا لي.
وقوله :﴿إِذْ جَاءَهَا المرسلون﴾ بدل اشتمال من أصحاب القرية، والمرسلون : هم أصحاب عيسى، بعثهم إلى أهل أنطاكية للدّعاء إلى الله.
وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله :﴿طائركم مَّعَكُمْ﴾ قال : شؤمكم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ﴾ قال : هو حبيب النجار. وأخرج ابن أبي حاتم عنه من وجه آخر، قال : اسم صاحب يس : حبيب، وكان الجذام قد أسرع فيه. وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال : لما قال صاحب يس ﴿يا قوم اتبعوا المرسلين﴾ خنقوه ؛ ليموت، فالتفت إلى الأنبياء، فقال :﴿إِنّى ءامَنتُ بِرَبّكُمْ فاسمعون﴾ أي فاشهدوا لي.