السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني

عن الكتاب
ولما أقام الأدلة ولم يبق لأحد تخلف عنه عله صرح بما لوح إليه من إيمانه بقوله :
﴿إني آمنت﴾ أي : أوقعت التصديق الذي لا تصديق في الحقيقة غيره، وفتح الياء نافع وابن كثير وأبو عمرو، وسكنها الباقون، واختلف في المخاطب بقوله ﴿بربكم﴾ على أوجه أحدها : أنه خاطب المرسلين قال المفسرون : أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين قال ﴿إني آمنت بربكم فاسمعون﴾ أي : اسمعوا قولي واشهدوا لي، وثانيها : هم الكفار لما نصحهم وما نفعهم قال ﴿آمنت بربكم فاسمعون﴾ وثالثها : بربكم أيها السامعون فاسمعون على العموم كقول الواعظ : يا مسكين ما أكثر أملك يريد : كل سامع يسمعه فلما قال ذلك وثب القوم عليه وثبة رجل واحد فقتلوه وقال ابن مسعود : وطئوه بأرجلهم، وقال السدي : كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول : اللهم اهد قومي حتى قطعوه وقتلوه وقال الحسن : خرقوا خرقاً في حلقه فعلقوه في سور المدينة وقبره بأنطاكية مشهور رضي الله تعالى عنه.
تنبيه : في قوله ﴿فاسمعون﴾ فوائد : منها : أنه كلام متفكر حيث قال : اسمعوا فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر، ومنها : أن ينبه القوم ويقول : إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرته لآمنا معك، فإن قيل : إنه قال من قبل ﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني﴾ وقال ههنا :﴿آمنت بربكم﴾ ولم يقل : آمنت بربي ؟ أجيب : بأنا إن قلنا : الخطاب مع الرسل فالأمر ظاهر ؛ لأنه لما قال ﴿آمنت بربكم﴾ ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه وقال ﴿بربكم﴾ وإن قلنا الخطاب مع الكفار ففيه بيان التوحيد ؛ لأنه لما قال ﴿أعبد الذي فطرني﴾ ثم قال ﴿آمنت بربكم﴾ فهم أنه يقول : ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم بخلاف ما لو قال : آمنت بربي فيقول الكافر : وأنا أيضاً آمنت بربي.
فائدة : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم :«أن مثل صاحب يس هذا في هذه الأمة عروة بن مسعود الثقفي حيث نادى قومه بالإسلام ونادى على علية بالأذان فرموه بالسهام فقتلوه ».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى