محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٥ من سورة يس في ٨٦ كتابًا من كتب التفسير، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٩ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٥ من سورة يس

٨٦ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : إنّي آمَنْتُ بِرَبّكُمْ فاسمَعُونِ فاختلف في معنى ذلك، فقال بعضهم : قال هذا القول هذا المؤمنُ لقومه يعلمهم إيمانه بالله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق فيما بلغه، عن ابن عباس، وعن كعب، وعن وهب بن منبه إنّي آمَنْتُ بِرَبّكُمْ فاسمَعُونِ إني آمنت بربكم الذي كفرتم به، فاسمعوا قولي.
وقال آخرون : بل خاطب بذلك الرسلَ، وقال لهم : اسمعوا قولي لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، وأني قد آمنت بكم واتبعتكم فذكر أنه لما قال هذا القول، ونصح لقومه النصيحة التي ذكرها الله في كتابه وثبوا به فقتلوه.
ثم اختلف أهل التأويل في صفة قتلهم إياه، فقال بعضهم : رَجَموه بالحجارة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَما ليَ لا أعْبُدُ الذِي فَطَرَنِي وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ هذا رجل دعا قومه إلى الله، وأبدى لهم النصيحة فقتلوه على ذلك. وذُكر لنا أنهم كانوا يرجمونه بالحجارة، وهو يقول : اللّهم اهدِ قومي، اللهمّ اهدِ قومي، اللهمّ اهدِ قومي، حتى أَقْعصُوه وهو كذلك.
وقال آخرون : بل وثبوا عليه، فوطئوه بأقدامهم حتى مات. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق فيما بلغه، عن ابن عباس، وعن كعب، وعن وهب بن منبه قال لهم : وَما ليَ لا أعْبُدُ الّذِي فَطَرَنِي. . . إلى قوله : فاسمَعُونِ وثبوا وثبة رجل واحد فقتلوه واستضعفوه لضعفه وسقمه، ولم يكن أحد يدفع عنه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أصحابه أن عبد الله بن مسعود كان يقول : وطِئوه بأرجلهم حتى خرج قُصْبه من دُبُره.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: لما انتهى إليهم -يعني إلى الرسل- قال: هل تسألون على هذا من أجر؟ قالوا: لا فقال عند ذلك (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق فيما بلغه، عن ابن عباس، وعن كعب الأحبار، وعن وهب بن منبه (اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ) أي: لا يسألونكم أموالكم على ما جاءوكم به من الهدى، وهم لكم ناصحون، فاتبعوهم تهتدوا بهداهم. وقوله (وَهُمْ مُهْتَدُونَ) يقول: وهم على استقامة من طريق الحق، فاهتدوا أيها القوم بهداهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾
يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هذا الرجل المؤمن (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) أي: وأي شيء لي لا أعبد الرب الذي خلقني (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) يقول: وإليه تصيرون أنتم أيها القوم وتردون جميعًا، وهذا حين أبدى لقومه إيمانه بالله وتوحيده.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق فيما بلغه، عن ابن عباس، وعن كعب الأحبار، وعن وهب بن منبه قال: ناداهم -يعني نادى قومه- بخلاف ما هم عليه من عبادة الأصنام، وأظهر لهم دينه وعبادة ربه، وأخبرهم أنه لا يملك نفعه ولا ضره غيره، فقال (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) ثم عابها، فقال (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ) وشدة (لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ).
وقوله (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) يقول: أأعبد من دون الله آلهة، يعني معبودًا سواه (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ) يقول: إذ مسني الرحمن بضر وشدة (لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا) يقول: لا تغني عني شيئًا بكونها إليَّ شفعاء، ولا تقدر على رفع ذلك الضر عني (وَلا يُنْقِذُونِ) يقول: ولا يخلصوني من ذلك الضر إذا مسني.
وقوله (إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) يقول إني إن اتخذت من دون الله آلهة هذه صفتها (إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) لمن تأمله، جوره عن سبيل الحق.
وقوله (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) فاختلف في معنى ذلك، فقال بعضهم: قال هذا القول هذا المؤمن لقومه يعلمهم إيمانه بالله.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق فيما بلغه، عن ابن عباس، وعن كعب، وعن وهب بن منبه (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) إني آمنت بربكم الذي كفرتم به، فاسمعوا قولي.
وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل، وقال لهم: اسمعوا قولي لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، وأني قد آمنت بكم واتبعتكم؛ فذكر أنه لما قال هذا القول، ونصح لقومه النصيحة التي ذكرها الله في كتابه وثبوا به فقتلوه.
ثم اختلف أهل التأويل في صفة قتلهم إياه، فقال بعضهم: رجموه بالحجارة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) هذا رجل دعا قومه إلى الله، وأبدى لهم
النصيحة فقتلوه على ذلك. وذُكر لنا أنهم كانوا يرجمونه بالحجارة، وهو يقول: اللهم اهد قومي، اللهم اهد قومي، اللهم اهد قومي، حتى أقْعَصوه وهو كذلك.
وقال آخرون: بل وثبوا عليه، فوطئوه بأقدامهم حتى مات.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق فيما بلغه، عن ابن عباس، وعن كعب، وعن وهب بن منبه قال لهم (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي).. إلى قوله (فَاسْمَعُونِ) وثبوا وثبة رجل واحد فقتلوه واسضعفوه لضعفه وسقمه، ولم يكن أحد يدفع عنه
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أصحابه

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
إِلَى قَرْيَةٍ إِلَّا عُذِّبَ أَهْلُهَا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ قَالَ قَتَادَةُ: بِالْحِجَارَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ:
بِالشَّتْمِ، وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ أَيْ عُقُوبَةٌ شَدِيدَةٌ، فَقَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَيْ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الْأَعْرَافِ: ١٣١] وَقَالَ قَوْمُ صَالِحٍ اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ [النَّمْلِ: ٤٧] وَقَالَ قَتَادَةُ وَوَهْبُ بْنُ منبه: أي أعمالكم معكم. وقال عز وجل: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لَا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [النِّسَاءِ:
٧٨] وقوله تعالى: أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنَّا ذَكَّرْنَاكُمْ وَأَمَرْنَاكُمْ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، قَابَلْتُمُونَا بِهَذَا الْكَلَامِ وَتَوَعَّدْتُمُونَا وَتَهَدَّدْتُمُونَا، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَيْ إِنْ ذَكَّرْنَاكُمْ بِاللَّهِ تَطَيَّرْتُمْ بِنَا بَلْ أَنْتُمْ قوم مسرفون.

[سورة يس (٣٦) : الآيات ٢٠ الى ٢٥]

وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤)
إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا بَلَغَهُ عَنِ ابْنِ عباس رضي الله عنهما وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: إِنَّ أَهْلَ القربة هَمُّوا بِقَتْلِ رُسُلِهِمْ، فَجَاءَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى، أَيْ لِيَنْصُرَهُمْ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: وَهُوَ حَبِيبٌ، وَكَانَ يَعْمَلُ الْجَرِيرَ وَهُوَ الْحِبَالُ وَكَانَ رَجُلًا سَقِيمًا قَدْ أَسْرَعَ فِيهِ الْجُذَامُ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ يَتَصَدَّقُ بِنِصْفِ كَسْبِهِ مُسْتَقِيمَ الفطرة. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ أَوْ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: اسم صاحب يس حبيب، وَكَانَ الْجُذَامُ قَدْ أَسْرَعَ فِيهِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: كَانَ اسْمُهُ حَبِيبَ بْنَ مَرَى.
وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قَالَ: اسْمُ صَاحِبِ يس حَبِيبٌ النَّجَّارُ، فَقَتَلَهُ قَوْمُهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ قَصَّارًا. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ: كَانَ إِسْكَافًا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ يتعبد في غار هناك، قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ يَحُضُّ قَوْمَهُ عَلَى اتِّبَاعِ الرُّسُلِ الذين أتوهم اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً أَيْ عَلَى إِبْلَاغِ الرِّسَالَةِ وَهُمْ مُهْتَدُونَ فِيمَا يَدْعُونَكُمْ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَما لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي أَيْ وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّذِي خَلَقَنِي وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَيْ يَوْمَ الْمَعَادِ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَتَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ أَيْ هَذِهِ الآلهة

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٤:﴿إِنِّي إِذًا﴾ أي : إن عبدت آلهة هذا وصفها ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فجمع في هذا الكلام، بين نصحهم، والشهادة للرسل بالرسالة، والاهتداء والإخبار بِتعيُّن(١)  عبادة اللّه وحده، وذكر الأدلة عليها، وأن عبادة غيره باطلة، وذكر البراهين عليها، والإخبار بضلال من عبدها، والإعلان بإيمانه جهرا، مع خوفه الشديد من قتلهم، فقال :﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ فقتله قومه، لما سمعوا منه وراجعهم بما راجعهم به.
١ - كذا في ب، وفي أ: بتعيين..

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٣ - ٣٠} ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ إلى آخر القصة.
أي: واضرب لهؤلاء المكذبين برسالتك، الرادين لدعوتك، مثلا يعتبرون به، ويكون لهم موعظة إن وفقوا للخير، وذلك المثل: أصحاب القرية، وما جرى منهم من التكذيب لرسل الله، وما جرى عليهم من عقوبته ونكاله.
وتعيين تلك القرية، لو كان فيه فائدة، لعينها الله، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم، ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له قرار، ما تعرف به أن طريق العلم الصحيح، الوقوف مع الحقائق، وترك التعرض لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم، من حيث يظن الجاهل أن زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها، ولا حجة عليها ولا يحصل منها من الفائدة إلا تشويش الذهن واعتياد الأمور المشكوك فيها.
والشاهد أن هذه القرية جعلها الله مثلا للمخاطبين. ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ -[٦٩٤]- من الله تعالى يأمرونهم بعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، وينهونهم عن الشرك والمعاصي.
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أي: قويناهما بثالث، فصاروا ثلاثة رسل، اعتناء من الله بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم، ﴿فَقَالُوا﴾ لهم: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ فأجابوهم بالجواب الذي ما زال مشهورا عند من رد دعوة الرسل: فـ ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ أي: فما الذي فضلكم علينا وخصكم من دوننا؟ قالت الرسل لأممهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾
﴿وَمَا أَنزلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: أنكروا عموم الرسالة، ثم أنكروا أيضا المخاطبين لهم، فقالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ﴾
فقالت هؤلاء الرسل الثلاثة: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ فلو كنا كاذبين، لأظهر الله (١) خزينا، ولبادرنا بالعقوبة.
﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عدا هذا من آيات الاقتراح، ومن سرعة العذاب، فليس إلينا، وإنما وظيفتنا -التي هي البلاغ المبين- قمنا بها، وبيناها لكم، فإن اهتديتم، فهو حظكم وتوفيقكم، وإن ضللتم، فليس لنا من الأمر شيء.
فقال أصحاب القرية لرسلهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: لم نر على قدومكم علينا واتصالكم بنا إلا الشر، وهذا من أعجب العجائب، أن يجعل من قدم عليهم بأجل نعمة ينعم الله بها على العباد، وأجل كرامة يكرمهم بها، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، قد قدم بحالة شر، زادت على الشر الذي هم عليه، واس تشأموا بها، ولكن الخذلان وعدم التوفيق، يصنع بصاحبه أعظم مما (٢) يصنع به عدوه.
ثم توعدوهم فقالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ أي: نقتلنكم رجما بالحجارة أشنع القتلات ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
فقالت لهم رسلهم: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ وهو ما معهم من الشرك والشر، المقتضي لوقوع المكروه والنقمة، وارتفاع المحبوب والنعمة. ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أي: بسبب أنا ذكرناكم ما فيه صلاحكم وحظكم، قلتم لنا ما قلتم.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ متجاوزون للحد، متجرمون في قولكم، فلم يزدهم [دعاؤهم] إلا نفورا واستكبارا.
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ حرصا على نصح قومه حين سمع ما دعت إليه الرسل وآمن به، وعلم ما رد به قومه عليهم فقال [لهم] :﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ فأمرهم باتباعهم ونصحهم على ذلك، وشهد لهم بالرسالة، ثم ذكر تأييدا لما شهد به ودعا إليه، فقال: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ أي: اتبعوا من نصحكم نصحا يعود إليكم بالخير، وليس [يريد منكم أموالكم ولا أجرا على نصحه لكم وإرشاده إياكم، فهذا موجب لاتباع من هذا وصفه.
بقي] أن يقال: فلعله يدعو ولا يأخذ أجرة، ولكنه ليس على الحق، فدفع هذا الاحتراز بقوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحسنه، ولا ينهون إلا بما يشهد العقل الصحيح بقبحه.
فكأن قومه لم يقبلوا نصحه، بل عادوا لائمين له على اتباع الرسل، وإخلاص الدين لله وحده، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة، لأنه الذي فطرني، وخلقني، ورزقني، وإليه مآل جميع الخلق، فيجازيهم بأعمالهم، فالذي بيده الخلق والرزق، والحكم بين العباد، في الدنيا والآخرة، هو الذي يستحق أن يعبد، ويثنى عليه ويمجد، دون من لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا عطاء ولا منعا، ولا حياة ولا موتا ولا نشورا، ولهذا قال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ﴾ لأنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه، فلا تغني شفاعتهم عني شيئا، وَلا هُمْ يُنْقذون من الضر الذي أراده الله بي.
﴿إِنِّي إِذًا﴾ أي: إن عبدت آلهة هذا وصفها ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فجمع في هذا الكلام، بين نصحهم، والشهادة للرسل بالرسالة، والاهتداء والإخبار بِتعيُّن (٣) عبادة الله وحده، وذكر الأدلة عليها، وأن عبادة غيره باطلة، وذكر البراهين عليها، والإخبار بضلال من عبدها، والإعلان بإيمانه جهرا، مع خوفه الشديد من قتلهم، فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ فقتله قومه، لما سمعوا منه وراجعهم بما راجعهم به.
فـ ﴿قِيلَ﴾ له في الحال: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ فقال مخبرا بما وصل إليه من الكرامة على توحيده وإخلاصه، وناصحا لقومه بعد وفاته، كما نصح لهم في حياته: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أي: بأي: شيء غفر لي، فأزال عني أنواع العقوبات، ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ -[٦٩٥]- بأنواع المثوبات والمسرات، أي: لو وصل علم ذلك إلى قلوبهم، لم يقيموا على شركهم.
(١) كذا في ب، وفي أ: لظهر خزينا.
(٢) كذا في ب، وفي أ: ما.
(٣) كذا في ب، وفي أ: بتعيين.
قال الله في عقوبة قومه: [ ﴿وَمَا أَنزلْنَا عَلَى قَوْمِهِ] مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: ما احتجنا أن نتكلف في عقوبتهم، فننزل جندا من السماء لإتلافهم، ﴿وَمَا كُنَّا مُنزلِينَ﴾ لعدم الحاجة إلى ذلك، وعظمة اقتدار الله تعالى، وشدة ضعف بني آدم، وأنهم أدنى شيء يصيبهم من عذاب الله يكفيهم ﴿إِنْ كَانَتْ﴾ أي: كانت عقوبتهم ﴿إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي: صوتا واحدا، تكلم به بعض ملائكة الله، ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ قد تقطعت قلوبهم في أجوافهم، وانزعجوا لتلك الصيحة، فأصبحوا خامدين، لا صوت ولا حركة، ولا حياة بعد ذلك العتو والاستكبار، ومقابلة أشرف الخلق بذلك الكلام القبيح، وتجبرهم عليهم.
قال الله متوجعا للعباد: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: ما أعظم شقاءهم، وأطول عناءهم، وأشد جهلهم، حيث كانوا بهذه الصفة القبيحة، التي هي سبب لكل شقاء وعذاب ونكال"
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٨٦ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ٢٥ من سورة يس

من كتاب: إعراب القرآن

بالتخفيف وزعم الفراء أن معنى طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أي رزقكم وعملكم وبَلْ لخروج من كلام إلى كلام أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ابتداء وخبر.

[سورة يس (٣٦) : آية ٢٠]

وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)
وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى وفي موضع آخر رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى [القصص: ٢٠] والمعنى واحد إلّا أن حقّ الظروف أن تكون في آخر الكلام، وتقديمها مجاز. ألا ترى أن معنى: إنّ في الدار زيدا، إن زيدا في الدار، قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ.

[سورة يس (٣٦) : آية ٢١]

اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)
اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً هذا يدلّ على إعادة الفعل وَهُمْ مُهْتَدُونَ محمول على معنى «من».

[سورة يس (٣٦) : آية ٢٢]

وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)
وقرأ الأعمش وحمزة وَما لِيَ لا أَعْبُدُ بإسكان الياء وهذه ياء النفس تفتح وتسكّن، إذا كان ما قبلها متحرّكا فالفتح لأنها اسم فكره أن يكون اسم على حرف واحد ساكنا، والإسكان لاتصالها بما قبلها، وموضع لا أَعْبُدُ موضع نصب على الحال.

[سورة يس (٣٦) : آية ٢٣]

أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣)
إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ شرط ومجازاة، وعلامة الجزم فيه حذف الضمة من الدال وحذفت الياء التي قبل الدال لالتقاء الساكنين. والقول في الياء التي بعد النون كما تقدّم من الفتح والإسكان إلّا أنك إذا أسكنتها حذفتها في الإدراج لالتقاء الساكنين وجواب الشرط لا تُغْنِ عَنِّي.

[سورة يس (٣٦) : آية ٢٥]

إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)
فأما ما روي عن عاصم أنه قرأ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ بفتح النون فلحن لأنه في موضع جزم فإذا كسرت النون جاز لأنها النون التي تكون مع الياء لا نون الإعراب. قال أبو إسحاق: أشهد الرسل على إيمانه فقال: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ.

[سورة يس (٣٦) : آية ٢٦]

قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٢٥ من سورة يس

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

قِيلَ

اشمام كسرة القاف ضَمًّا

رويس عن يعقوب هشام عن ابن عامر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي

بكسرة خالصة للقاف

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر خلاد عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢٥ من سورة يس

٤ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٩ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٩ أقوال
١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي وائل- قال: لَمّا قال صاحب يس: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾. خنقوه ليموت، فالتفت إلى الأنبياء، فقال: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسْمَعُونِ﴾. أي: فاشهدوا لي١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٤٢٩.
٢
عن عبد الله بن مسعود -من طريق بعض أصحاب ابن إسحاق- كان يقول: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسْمَعُونِ﴾، وطئوه بأرجلهم حتى خرج قُصْبُه١ مِن دُبُرِه٢
التخريج
  1. ١القُصْب: الأمعاء. اللسان (قصب).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٤٢٤.
٣
عن عبد الله بن عباس، وكعب الأحبار، ووهب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق-: قال لهم: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إلى قوله: ﴿فاسْمَعُونِ﴾، وثبوا عليه وثبةَ رجلٍ واحد، فقتلوه، واستضعفوه لضعفه وسقمه، ولم يكن أحد يدفع عنه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٢٤.
٤
عن عبد الله بن عباس، أنّه سأل كعبًا عن أصحاب الرَّسِّ. فقال: إنّكم -معشر العرب- تَدْعُون البئر: رَسًّا، وتدعون القبر: رَسًّا، وتدعون الخدَّ: رسًّا، فَخَدُّوا أُخدودًا في الأرض، وأوقدوا فيها النيران للرسل الذين ذكر الله في يس: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾، وكان الله تعالى إذا جمع لعبد النبوة والرسالة منعه مِن الناس، وكانت الأنبياء تُقْتَلُ، فلما سمع بذلك رجل من أقصى المدينة وما يراد بالرسل أقبل يسعى ليُدركهم فيشهدهم على إيمانه، فأقبل على قومه، فقال: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. ثم أقبل على الرسل، فقال: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسْمَعُونِ﴾. ليُشهدهم على إيمانه، فأُخِذ، فقُذِف في النار، فقال الله تعالى: ﴿ادْخُلِ الجَنَّةَ قال يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
٥
قال مجاهد بن جبر -من طريق أبي يحيى-: فلمّا سمِعوه قتلوه١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ٢‏/‏٨٠٥.
٦
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق- ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسْمَعُونِ﴾: إني آمنت بربكم الذي كفرتم به، فاسمعوا قولي١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٤٢٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢علّق ابنُ عطية (٧/٢٤٣) على ما جاء في هذا القول، فقال: «قال ابن عباس وكعب ووهب: خاطب بها قومَه. على جهة المبالغة والتنبيه».
٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لا يَسْأَلُكُمْ أجْرًا وهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ حتى بلغ: ﴿فاسْمَعُونِ﴾، قال: فرجموه بالحجارة، فجعل يقول: ربِّ، اهدِ قومي؛ فإنهم لا يعلمون. فلم يزالوا يرجموه حتى قتلوه١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٤١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٨
قال مقاتل بن سليمان: فوُطئ حتى خرجت مِعاه مِن دُبُره، فلما أُمر بقتله قال: يا قوم، ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسْمَعُونِ﴾. فقُتل، ثم ألقي في البئر، وهي الرس، وهم أصحاب الرس، وقُتل الرسل الثلاثة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٧٦-٥٧٧.
٩
قال يحيى بن سلّام: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسْمَعُونِ﴾ أي: فاستمعوا قولي، فاقبلوه. فدعاهم إلى الإيمان، فـ﴿قِيلَ﴾ له:﴿ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ٢‏/‏٨٠٤-٨٠٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢في قوله:﴿فاسمعون﴾ قولان: الأول: أنه خطاب منه لقومه. الثاني: أنه خطاب للرسل. وقد رجّح ابنُ كثير (١١/٢٥٤ بتصرف) القول الثاني بقوله: «وهذا أظهر في المعنى». ولم يذكر مستندًا.
التفسير بالمأثور لسورة يس كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٥ من سورة يس

٥ وقفات في هذه الآية

  • "إني آمنت بربكم". قوله : "آمَنتُم بربكم" أولى من قوله : "آمنت بربي" ؛لأن كل شخص إنما هو مؤمن بربه فيقول له المقابل :وأنا آمنت بربي أيضاً.

    — فاضل السامرائي

  • (إني آمنت بربكم فاسمعون) حفظ الله لهذا الرجل صدحه بالحق وأثنى عليه اصدح بعقيدتك ومبادئك إياك أن تخاف من نقد أحدهم أو تخجل

    — مجالس التدبر

  • (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) وأنت بماذا جاهرت؟!

    — مجالس التدبر

  • آية (25): (إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)) فكرة عامة عن الآية: يستمر الرجل الصالح الذي جاء من أقصى المدينة إلى أن يقول لقومه (إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)) الغريب في هذا الجو المكفهر مملوء بالإرهاب هو يأتي ويقول (إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) هو قال (فَاسْمَعُونِ) بصوت جهوري صدع بالحق بدون مواربة وأنه بدأ بنفسه يعني سبقهم إلى هذا الأمر لم ينتظر أن يكون معه أحد يشدّ عضده وإنما هو أعلن هذا وإن لم يكن معه أحد في هذا الجو هذا محض الإيمان مع أنهم هددوه بالرجم والعذاب وهو قال لهم (إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) بصوت واضح بيّن، هذا في غاية القوة. * لماذا لم يقل إني آمنت بربي؟ أولاً ربُّه هو ربّهم، ثم قسم يقول هذا الخطاب للرُسل (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)) وهو قال (إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) * وكأن هناك تحول في الخطاب من مخاطبته لقومه إلى مخاطبة الرسل؟ قسم قالوا هذا وقسم قال للجميع لأنه يرى أنه ليس هنالك رب ولا إله غيره، هو رب الجميع وإله الجميع فلما قال الرسل (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)) قال (إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) الذي تدعون إليه وهو الذي أرسلكم. الخطاب للجميع. * وهم يعبدون الأصنام لأنهم أربابهم! طبعاً، وأنا آمنت بربكم. * وكأنه حينما قال (إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) فيها تحديد لوحدانية الله المطلقة سبحانه وتعالى. مع أنها تُنكر على فرعون أنه حينما قال (آمنت برب موسى وهارون) ألا يًقال أن رب موسى وهارون هو رب فرعون ورب العباد أيضاً؟ هذا الرب يدعو إليه وهو قال (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) النازعات) (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) الشعراء) فهو الرب والإله، هو ادّعى الربوبية والألوهية. يقولها بتكبّر. حتى هنا هو وحّد الألوهية والربوبية، هنا قال (إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) وقال (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً) فإذن لا أتخذ معبوداً غيره فوحّد الألوهية والربوبية. * لغوياً هل هنالك فرق بين الرب والإله؟ أليس الاثنان بمعنى؟ طبعاً. الرب هو المربي والمرشد والقيّم على الأمور حتى أنه يقال رب المنزل ورب الدار ورب الأسرة (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ (23) يوسف) (اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ (42) يوسف). الألوهية من العبادة، من ألِه، عَبَد، الألوهية من معنى العبادة، ألِه عَبَد، العبودية، الربوبية معنى آخر. لذلك يجمع الله تعالى بينهما فهو الرب وهو الإله. * في هذا الموقف هل يقول آمنت بالله أو آمنت بربكم؟ هو الآن قال (إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)) نقيض الضلال الهدى، والهدى من مهمة المُربي هو الذي يوجه وهو الذي يُرشد، هذا من مهمة المربّي ولذلك كثيراً في القرآن ما يقرن الهدى بالرب (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا (161) الأنعام) (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) طه) كثيراً ما تقترن الهداية بالرب. * لأنها من متطلبات الرب أن يُرشد وأن يعين! هو معنى الرب في الأصل المربي في اللغة، ربه يعني ربّاه في اللغة. * يعني من ضمن معنى ربنا أي الذي ربانا، ربانا على موائد كرمه وفضله سبحانه! وكلمة المرسلون، الإرسال أيضاً من الرب فكلمة رب هنا هي المناسِبة. (إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) من الذي ينجي من الضلال؟ الهدى. ومن الذي يهدي؟ الرب. * قال في الآية (إني) فلماذا لم يقل أنا؟ جاء بتوكيد وقوة، جاء بتوكيد يؤكد إيمانه ليس عن طريق الضعف وإنما بكل قوة وتوكيد وثبات. جاء في التفسير الكبير:" في المخاطب بقوله (بربكم) وجوه: (أحدهما) هم المرسلون. قال المفسرون أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين وقال: إني آمنت بربكم فاسمعوا قولي واشهدوا لي. و(ثانيهما) هم الكفار كأنه نصحهم وما نفعهم، قال فأنا آمنت فاسمعون. و(ثالثهما) بربكم أيها السامعون فاسمعون على العموم كما قلنا في قول الواعظ حيث يقول: يا مسكين ما أكثر أملك وما أنزر عملك، يريد به كل سامع يسمعه وفي قوله (فاسمعون) فوائد: (احدها) أنه كلام مترو متفكر حيث قال (فاسمعون) فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر. و(ثانيها) أنه ينبه القوم ويقول: إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرت لآمنا معك. و(ثالثها) أن يكون المراد السماع الذي بمعنى القبول يقول القائل نصحته فسمع قولي أي قبله. فإن قلت لم قال من قبل (ومالي لا أعبد الذي فطرني) وقال ههنا (آمنت بربكم) ولم يقل آمنت بربي؟ نقول قولنا الخطاب مع الرسل أمر ظاهر لأنه لما قال (آمنت بربكم) ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه ولو قال (بربي) لعلهم كانوا يقولون كل كافر يقول: لي رب وأنا مؤمن بربي. وأما على قولنا الخطاب مع الكفار ففيه بيان للتوحيد. وذلك لأنه لما قال (أعبد الذي فطرني) ثم قال (آمنت بربكم) فهم أنه يقول: ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم بخلاف ما لو قال: آمنت بربي فيقول الكافر وأنا أيضاً آمنت بربي ومثل هذا قوله تعالى (الله ربنا وربكم). وجاء في البحر المحيط: "ثم صرح بغيمانه وصدع بالحق فقال مخاطباً لقومه إني آمنت بربكم أي الذي كفرتم به فاسمعون أي اسمعوا قولي وأطيعون فقد نبهتكم عل الحق وإن العبادة لا تكون إلا لمن منه نشأتكم وإليه مرجعكم والظاهر أن الخطاب بالكاف والميم وبالواو هو لقومه والأمر على جهة المبالغة والتنبيه... وقيل الخطاب في (بربكم) وفي (فاسمعون) للرسل". وجاء في روح المعاني: "الظاهر أن الخطاب لقومه شافههم بذلك وصدع بالحق إظهاراً للتصلب في الدين وعدم المبالاة بما يصدر منهم.. وإضافة الرب إلى ضميرهم لتحقيق الحق والتنبيه على بطلان ما هم عليه من اتخاذ الأصنام أرباباً أي إني آمنت بربكم الذي خلقكم. (فاسمعون) أي فاسمعوا قولي فإني لا أبالي بما يكون منكم على ذلك. وقيل مراده دعوتهم إلى الخير الذي اختاره لنفسه".

    — فاضل السامرائي

  • (إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) أعلن إيمانه في هذا الجو المكفهر بكل صراحة وصدع بالحق من دون مواربة وأعلن أنه بدأ بنفسه وسبقهم إلى ما يدعوهم إليه ولم ينتظر من أحد أن يسبقه فيشجعه ويقوي قلبه ويشد عضده. وفي ذلك محض الإيمان ومحض الإخلاص. ثم أنظر قوة إيمان هذا الرجل الذي تحدى قومه في ذلك الوقت الذي لا يطيقون فيه أن يسمعوا الرسل فهددوهم بالرجم إن لم يكفوا عن الدعوة. فقال: ها أنا آمنت بربكم فاسمعون. وقوله (فَاسْمَعُونِ) يدل على أنه أعلن إيمانه بصوت ظاهر مسموع غير خفي ولا متلجلج يسمعه كل أحد. وهذا يدل على أنه غير مبال بما سيحصل له من الرجم والتعذيب وما هو أكثر من ذلك. واختيار (إِنِّي آَمَنْتُ) على (أنا آمنت) لما في ذلك من التوكيد والقوة. وقوله (بِرَبِّكُمْ) دون (بربي) مع أنه قال قبلها (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) ليبين أن ربهم هو ربه وهو الذي فطره وإليه يرجعون فهو ربه وربهم. وقيل إن الخطاب بقوله (بِرَبِّكُمْ) للرسل، أي آمنت بربكم الذي تدعون إليه. والحق أن الخطاب للجميع فرب الرسل هو ربه ورب قومه وهو قد أعلن ذلك على الملأ وطلب من قومه إتباع الرسل والإيمان بما يدعوه إليه. وعلى أية حال فهو صدع بالحق وجهر به ولم يبال بما سيحصل له من جراء إعلانه إيمانه هذا. قيل: وقوله (آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) أولى من قوله (آمنت بربي) لأن كل شخص إنما هو مؤمن بربه فيقول له المقابل: وأن آمنت بربي أيضاً. فقوله (آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) يدل على أنه الرب الذي يدعو إليه الرسل. ولو كان المقصود ربهم الذي يعبده قومه لما كان في قوله (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ… ) داع. وذكر الإيمان بالرب دون بقية الأسماء الحسنى له أكثر من مناسبة فقد مر قول الرسل (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) فقال (إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ). وقوله (إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) والرب هو الذي يهدي من الضلال لأن الرب هو المربي والمرشد والمعلم. والهداية من أبرز صفات الرب ولذلك كثيراً ما تقترن الهداية باسم الرب وذلك نحو قوله تعالى (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) - طه (49، 50) وقوله (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) - الأنعام (161). فناسب ذلك ذكر الرب. وهناك أمر آخر حسّن ذكر الرب وهو قوله (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً) أي لا أتخذ من دونه إلهاً أي معبوداً. وقال ههنا (إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) فجعله هو الإله وهو الرب فهو إلهه وربه وبذلك جمع له بين الألوهية والربوبية. جاء في (التفسير الكبير): "في المخاطب بقوله (بربكم) وجوه: (أحدهما) هم المرسلون. قال المفسرون: أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين وقال: إني آمنت بربكم فاسمعوا قولي واشهدوا لي. و(ثانيهما) هم الكفار كأنه نصحهم وما نفعهم، قال فأنا آمنت فاسمعون. و(ثالثهما) بربكم أيها السامعون فاسمعون على العموم، كما قلنا في قول الواعظ حيث يقول: يا مسكين ما أكثر أملك وما أنزر عملك، يريد به كل سامع يسمعه. وفي قوله (فَاسْمَعُونِ) فوائد: (أحدها) أنه كلام متروّ متفكر حيث قال (فَاسْمَعُونِ) فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر. و(ثانيها) أنه ينبه القوم ويقول: إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا: لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرت لآمنا معك. و(ثالثها) أن يكون المراد السماع الذي بمعنى القبول. يقول القائل: نصحته فسمع قولي أي قبله. فإن قلت: لم قال من قبل (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وقال ههنا (آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) ولم يقل آمنت بربي؟ نقول: قولنا الخطاب مع الرسل أمر ظاهر. لأنه لما قال (آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه. ولو قال (بربي) لعلهم كانوا يقولون: كل كافر يقول: لي رب وأنا مؤمن بربي. وأما على قولنا الخطاب مع الكفار ففيه بيان للتوحيد. وذلك لأنه لما قال (أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) ثم قال (آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) فهم أنه يقول: ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم بخلاف ما لو قال: آمنت بربي. فيقول الكافر: وأنا أيضاً آمنت بربي ومثل هذا قوله تعالى (اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ(1). وجاء في (البحر المحيط): "ثم صرح بإيمانه وصدع بالحق فقال مخاطباً لقومه إني آمنت بربكم أي الذي كفرتم به فاسمعون أي اسمعوا قولي وأطيعون فقد نبهتكم عل الحق وإن العبادة لا تكون إلا لمن منه نشأتكم وإليه مرجعكم. والظاهر أن الخطاب بالكاف والميم وبالواو هو لقومه والأمر على جهة المبالغة والتنبيه... وقيل الخطاب في (بِرَبِّكُمْ) وفي (فَاسْمَعُونِ) للرسل"(2). وجاء في (روح المعاني): "الظاهر أن الخطاب لقومه شافههم بذلك وصدع بالحق إظهاراً للتصلب في الدين وعدم المبالاة بما يصدر منهم... وإضافة الرب إلى ضميرهم لتحقيق الحق والتنبيه على بطلان ما هم عليه من اتخاذ الأصنام أرباباً أي إني آمنت بربكم الذي خلقكم. (فَاسْمَعُونِ) أي فاسمعوا قولي فإني لا أبالي بما يكون منكم على ذلك. وقيل مراده دعوتهم إلى الخير الذي اختاره لنفسه"(3). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 86 إلى ص 89: 1- التفسير الكبير 26/59. 2- التفسير الكبير 26/59 – 60. 3- البحر المحيط 7/329.

    — فاضل السامرائي

ترجمات معاني الآية ٢٥ من سورة يس

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(25) Indeed, I have believed in your Lord, so listen to me."
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال