التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ولكن هذه النصائح الغالية الحكيمة من الرجل الصالح لقومه، لم تصادف أذنا واعية بل إن سياق القصة بعد ذلك ليوحى بأن قومه قتلوه، فقد قال - تعالى - بعد أن حكى نصائح هذا الرجل لقومه، ﴿قِيلَ ادخل الجنة..﴾
أى : قالت الملائكة لهذا الرجل الصالح عند موته على سبيل البشارة : ادخل الجنة بسبب إيمانك وعملك الطيب.
قال الآلوسى : قوله :﴿قِيلَ ادخل الجنة..﴾ استئناف لبيان ما وقع له بعد قوله ذلك.
والظاهر أن الأمر المقصود به الإِذن له بدخول الجنة حقيقة، وفى ذلك إشارة إلى أن الرجل قد فارق الحياة، فعن ابن مسعود أنه بعد أن قال ما قال قتلوه..
وقيل : الأمر للتبشير لا للإِذن بالدخول حقيقة، أى : قالت ملائكة الموت وذلك على سبيل البشارة له بأنه من أهل الجنة - يدخلها إذا دخلها المؤمنون بعد البعث.
وقوله - تعالى - :﴿قَالَ ياليت قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المكرمين﴾ استئناف بيانى لبيان ما قاله عند البشارة.
أى : قيل له ادخل الجنة بسبب إيمانك وعملك الصالح، فرد وقال : يا ليت قومى الذين قتلونى ولم يسمعوا نصحى، يعلمون بما نلته من ثواب من ربى، فقد غفر لى - سبحانه - وجعلنى من المكرمين عنده، بفضله وإحسانه..
قال ابن كثير : ومقصوده - من هذا القول - أنهم لو اطلعوا على ما حصل عليه من ثواب ونعيم مقيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضى عنه، فلقد كان حريصا على هداية قومه.
روى ابن أبى حاتم أن عروة بن مسعود الثقفى، قال للنبى ﷺ : " ابعثنى إلى قومى أدعوهم إلى الإِسلام، فقال له ﷺ " إنى أخاف أن يقتلوك " فقال : يا رسول الله، لو وجدونى نائما ما أيقظونى. فقال له رسول الله ﷺ " انطلق إليهم " فانطلق إليهم، فمر على اللات والعزى، فقال : لأصْبِحَنك غدا بما يسؤوك، فغضبت ثقيف فقال لهم : يا معشر ثقيف : أسلموا تسلموا - ثلاث مرات -. فرماه رجل منهم فأصاب أكْحَلَه فقتله - والأكحل : عرق فى وسط الذراع - فبلغ ذلك رسول الله ﷺ - فقال : " هذا مثله كمثل صاحب يس ﴿قَالَ ياليت قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المكرمين﴾ ".
وقال صاحب الكشاف ما ملخصه : وقوله :﴿ياليت قَوْمِي يَعْلَمُونَ..﴾ إنما تمنى علم قومه بحاله، ليكون علمهم بما سببا لاكتساب مثلها لأنفسهم، بالتوبة عن الكفر، والدخول فى الإِيمان.. وفى حديث مرفوع : " نصح قومه حيا وميتا ".
وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ والحلم عن أهل الجهل والترؤف على من أدخل نفسه فى غمار الأشرار وأهل البغى، والتشمر فى تخليصه، والتلطف فى افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به، والدعاء عليه، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، وللباغين له الغوائل وهم كفرة وعبدة أصنام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى