فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
لما وقع ما وقع منهم مع حبيب النجار غضب الله له، وعجل لهم النقمة، وأهلكهم بالصيحة، ومعنى ﴿وَمَا أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أي على قوم حبيب النجار من بعد قتلهم له، أو من بعد رفع الله له إلى السماوات على الاختلاف السابق ﴿مِن جُندٍ مّنَ السماء﴾ لإهلاكهم، وللانتقام منهم : أي لم تحتج إرسال جنود من السماء لإهلاكهم كما وقع ذلك للنبي ﷺ يوم بدر من إرسال الملائكة لنصرته، وحرب أعدائه ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ أي وما صحّ في قضائنا، وحكمتنا أن ننزل لإهلاكهم جنداً لسبق قضائنا، وقدرنا بأن إهلاكهم بالصيحة لا بإنزال الجند. وقال قتادة، ومجاهد، والحسن : أي ما أنزلنا عليهم من رسالة من السماء، ولا نبيّ بعد قتله. وروي عن الحسن أنه قال : هم الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء، والظاهر أن معنى النظم القرآني تحقير شأنهم، وتصغير أمرهم : أي ليسوا بأحقاء بأن ننزل لإهلاكهم جنداً من السماء، بل أهلكناهم بصيحة واحدة كما يفيده قوله :﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله :﴿وَمَا أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ الآية يقول : ما كابدناهم بالجموع : أي، الأمر أيسر علينا من ذلك. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿يا حسرة عَلَى العباد﴾ يقول : يا ويلاً للعباد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿يا حسرة على العباد﴾ قال : الندامة على العباد الذين ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ﴾ يقول : الندامة عليهم يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ قال : وجدوه معمولاً لم تعمله أيديهم : يعني : الفرات، ودجلة، ونهر بلخ، وأشباهها ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ لهذا. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذرّ قال : سألت رسول الله ﷺ عن قوله :﴿والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا﴾ قال :«مستقرّها تحت العرش» وفي لفظ للبخاري، وغيره من حديثه قال : كنت مع النبي ﷺ في المسجد عند غروب الشمس، فقال :«يا أبا ذرّ أتدري أين تغرب الشمس ؟» قلت : الله، ورسوله أعلم، قال :«إنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله :﴿والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا﴾» وفي لفظ من حديثه أيضاً عند أحمد، والترمذي، والنسائي، وغيرهم قال :«يا أبا ذرّ، أتدري أين تذهب هذه ؟ قلت : الله، ورسوله أعلم، قال : فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها، فتستأذن في الرجوع، فيأذن لها، وكأنها قد قيل لها : اطلعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها».
ثم قرأ " ذلك مستقرّ لها " وذلك قراءة عبد الله. وأخرج الترمذي، والنسائي، وغيرهما من قول ابن عمر نحوه.
وأخرج الخطيب في كتاب النجوم عن ابن عباس في قوله :﴿والقمر قدرناه مَنَازِلَ﴾ الآية قال : هي ثمانية وعشرون منزلاً ينزلها القمر في كلّ شهر : أربعة عشر منها شامية، وأربعة عشر منها يمانية، أولها الشرطين، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والدبرة، والصرفة، والعوّاء، والسماك. وهو آخر الشامية، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، ومقدّم الدلو، ومؤخر الدلو، والحوت، وهو آخر اليمانية، فإذا سار هذه الثمانية وعشرين منزلاً ﴿عَادَ كالعرجون القديم﴾ كما كان في أوّل الشهر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿كالعرجون القديم﴾ يعني : أصل العذق العتيق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى