محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٨ من سورة يس في ١٠٠ كتاب من كتب التفسير، وإعرابها، و٦ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٨ من سورة يس

١٠٠ كتاب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىَ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مّنَ السّمَآءِ وَمَا كُنّا مُنزِلِينَ * إِن كَانَتْ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : وما أنزلنا على قوم هذا المؤمن الذي قتله قومه لدعائه إياهم إلى الله ونصيحته لهم مِنْ بَعْدِهِ يعني : من بعد مهلكه مِنْ جُنْدٍ مِنَ السّماءِ.
واختلف أهل التأويل في معنى الجند الذي أخبر الله أنه لم ينزل إلى قوم هذا المؤمن بعد قتلهموه فقال بعضهم : عُنِي بذلك أنه لم ينزل الله بعد ذلك إليهم رسالة، ولا بعث إليهم نبيا. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : مِنْ جُنْدٍ مِنَ السّماءِ قال : رسالة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حَكّام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزّة عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ قال : فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله إنْ كانَتْ إلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فإذَا هُمْ خامدُونَ.
وقال آخرون : بل عُني بذلك أن الله تعالى ذكره لم يبعث لهم جنودا يقاتلهم بها، ولكنه أهلكهم بصيحة واحدة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، أن عبد الله بن مسعود، قال : غضب الله له، يعني لهذا المؤمن، لاستضعافهم إياه غضبةً لم تبق من القوم شيئا، فعجّل لهم النقمة بما استحلوا منه، وقال : وَما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السمّاءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ يقول : ما كاثرناهم بالجموع : أي الأمر أيسر علينا من ذلك إنْ كانَتْ إلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فإذَا هُمْ خامِدُونَ فأهلك الله ذلك الملك وأهل أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض، فلم تبق منهم باقية.
وهذا القول الثاني أولى القولين بتأويل الآية، وذلك أن الرسالة لا يقال لها جند إلا أن يكون أراد مجاهد بذلك الرّسُل، فيكون وجها، وإن كان أيضا من المفهوم بظاهر الاَية بعيدا، وذلك أن الرسُل من بني آدم لا ينزلون من السماء والخبر في ظاهر هذه الاَية عن أنه لم ينزل من السماء بعد مَهْلِك هذا المؤمن على قومه جندا وذلك بالملائكة أشبه منه ببني آدم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾
يقول تعالى ذكره: وما أنزلنا على قوم هذا المؤمن الذي قتله قومه لدعائه إياهم إلى الله ونصيحته لهم (مِنْ بَعْدِهِ) يعني: من بعد مهلكه (مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ).
واختلف أهل التأويل في معنى الجند الذي أخبر الله أنه لم ينزل إلى قوم هذا المؤمن بعد قتلهموه فقال بعضهم: عُنِي بذلك أنه لم ينزل الله بعد ذلك إليهم رسالة، ولا بعث إليهم نبيًّا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله (مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ) قال: رسالة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَمَا أَنزلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزلِينَ) قال: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله (إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ).
وقال آخرون: بل عني بذلك أن الله تعالى ذكره لم يبعث لهم جنودًا يقاتلهم بها، ولكنه أهلكهم بصيحة واحدة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، أن عبد الله بن مسعود، قال: غضب الله له، يعني لهذا المؤمن،

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
الَّتِي تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِهِ لَا يَمْلِكُونَ مِنَ الأمر شيئا، فإن الله تعالى لَوْ أَرَادَنِي بِسُوءٍ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [يُونُسَ: ١٠٧] وَهَذِهِ الْأَصْنَامُ لَا تَمْلِكُ دَفْعَ ذَلِكَ وَلَا مَنْعَهُ، وَلَا يُنْقِذُونَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أَيْ إِنِ اتَّخَذْتُهَا آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ تعالى: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما وَكَعْبٍ وَوَهْبٍ: يَقُولُ لِقَوْمِهِ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ فَاسْمَعُونِ أَيْ فَاسْمَعُوا قَوْلِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِطَابُهُ لِلرُّسُلِ بِقَوْلِهِ: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ أَيِ الَّذِي أَرْسَلَكُمْ فَاسْمَعُونِ أَيْ فَاشْهَدُوا لِي بِذَلِكَ عِنْدَهُ، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ: وَقَالَ آخَرُونَ:
بَلْ خَاطَبَ بِذَلِكَ الرُّسُلَ، وَقَالَ لَهُمْ: اسْمَعُوا قَوْلِي لِتَشْهَدُوا لِي بما أقول لكم عند ربي، إني آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ وَاتَّبَعَتْكُمْ، وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ عن هَؤُلَاءِ أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا بَلَغَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وكعب ووهب رضي الله عنهما: فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، وَثَبُوا عَلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَتَلُوهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ يَمْنَعُ عَنْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: جَعَلُوا يَرْجُمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَقَعَصُوهُ، وَهُوَ يَقُولُ كذلك، فقتلوه رحمه الله.

[سورة يس (٣٦) : الآيات ٢٦ الى ٢٩]

قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩)
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ ابْنِ مسعود رضي الله عنه، إِنَّهُمْ وَطِئُوهُ بِأَرْجُلِهِمْ حَتَّى خَرَجَ قُصْبُهُ مِنْ دُبُرِهِ «١»، وَقَالَ اللَّهُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ فَدَخَلَهَا فهو يرزق فيها قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ سُقْمَ الدُّنْيَا وَحُزْنَهَا وَنَصَبَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قِيلَ لِحَبِيبٍ النَّجَّارِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قُتِلَ فَوَجَبَتْ لَهُ، فَلَمَّا رَأَى الثَّوَابَ قالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ قَالَ قَتَادَةُ: لَا تَلْقَى الْمُؤْمِنَ إِلَّا نَاصِحًا لا تلقاه غاشا. لما عاين من كرامة الله تعالى: قالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ تَمَنَّى عَلَى الله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وَمَا هَجَمَ عَلَيْهِ «٢». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَصَحَ قومه في حياته بقوله يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ فِي قَوْلِهِ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ بِإِيمَانِي بِرَبِّي وَتَصْدِيقِي الْمُرْسَلِينَ وَمَقْصُودُهُ أَنَّهُمْ لَوِ اطلعوا على ما حصل لي مِنْ هَذَا الثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَى اتِّبَاعِ الرُّسُلِ فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عنه، فلقد
(١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٣٦.
(٢) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٣٦.
كَانَ حَرِيصًا عَلَى هِدَايَةِ قَوْمِهِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عبيد الله، حدثنا ابن جابر هو مُحَمَّدٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ يَعْنِي ابْنَ عُمَيْرٍ قال: قال عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ابْعَثْنِي إِلَى قومي أدعوهم إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُوكَ» فَقَالَ: لَوْ وَجَدُونِي نَائِمًا مَا أَيْقَظُونِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «انطلق» فَانْطَلَقَ، فَمَرَّ عَلَى اللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ: لَأُصَبِّحَنَّكِ غدا بما يسوؤك، فَغَضِبَتْ ثَقِيفٌ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ إِنَّ اللَّاتَ لَا لَاتَ وَإِنَّ الْعُزَّى لَا عُزَّى، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، يَا مَعْشَرَ الْأَحْلَافِ إِنَّ الْعُزَّى لَا عُزَّى وَإِنَّ اللَّاتَ لَا لَاتَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ فَأَصَابَ أَكْحَلَهُ فَقَتَلَهُ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «هَذَا مَثَلُهُ كَمَثَلِ صَاحِبِ يس» قالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ حَبِيبُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ أَخُو بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ الَّذِي كَانَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ قَطَّعَهُ بِالْيَمَامَةِ حِينَ جَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجعل يقول له: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ، فيقول له مسيلمة لعنه الله: أَتَسْمَعُ هَذَا، وَلَا تَسْمَعُ ذَاكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَجَعَلَ يُقَطِّعُهُ عُضْوًا عُضْوًا كُلَّمَا سَأَلَهُ لَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ فِي يَدَيْهِ، فَقَالَ كَعْبٌ حِينَ قِيلَ لَهُ اسْمُهُ حَبِيبٌ: وَكَانَ وَاللَّهِ صَاحِبُ يس اسْمَهُ حَبِيبٌ.
وَقَوْلُهُ تبارك وتعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ انْتَقَمَ مِنْ قَوْمِهِ بَعْدَ قَتْلِهِمْ إياه غضبا منه تبارك وتعالى عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وَقَتَلُوا وَلَيَّهُ، وَيَذْكُرُ عز وجل أَنَّهُ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ وَمَا احْتَاجَ فِي إِهْلَاكِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى إِنْزَالِ جُنْدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ، بَلِ الْأَمْرُ كَانَ أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي قوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ أَيْ مَا كَاثَرْنَاهُمْ بِالْجُمُوعِ، الْأَمْرُ كَانَ أَيْسَرَ عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ قال: فأهلك الله تعالى ذلك الملك الجبار، وَأَهْلَكَ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ، فَبَادُوا عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بَاقِيَةٌ «١».
وَقِيلَ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ أَيْ وَمَا كُنَّا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْأُمَمِ إِذَا أَهْلَكْنَاهُمْ بَلْ نَبْعَثُ عَلَيْهِمْ عَذَابًا يدمرهم، وقيل المعنى في قوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ أَيْ مِنْ رِسَالَةٍ أُخْرَى إِلَيْهِمْ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. قَالَ قَتَادَةُ: فَلَا والله ما عاتب الله قومه
(١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٣٧.
بَعْدَ قَتْلِهِ إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ «١».
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٢» : وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ الرِّسَالَةَ لَا تُسَمَّى جُنْدًا. قَالَ المفسرون. بعث الله تعالى إليهم جبريل عليه الصلاة والسلام، فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيْ بَابِ بَلَدِهِمْ، ثُمَّ صَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً، فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ عَنْ آخِرِهِمْ لم تبق بهم رُوحٌ تَتَرَدَّدُ فِي جَسَدٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ هَذِهِ الْقَرْيَةَ هِيَ أَنْطَاكِيَةُ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ كَانُوا رُسُلًا مِنْ عند المسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ مُتَأَخَّرِي الْمُفَسِّرِينَ غَيْرِهِ، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ:
[أَحَدُهَا] أَنَّ ظَاهِرَ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا رُسُلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا مِنْ جهة المسيح عليه السلام كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ- إلى أن قالوا-بُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
[يس:
١٤- ١٧] وَلَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ لَقَالُوا عِبَارَةً تُنَاسِبُ أَنَّهُمْ مِنْ عِنْدِ المسيح عليه السلام.
والله تعالى أَعْلَمُ، ثُمَّ لَوْ كَانُوا رُسُلَ الْمَسِيحِ لَمَا قالوا لهم إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا.
[الثَّانِي] أَنَّ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ آمَنُوا بِرُسُلِ الْمَسِيحِ إِلَيْهِمْ، وَكَانُوا أَوَّلَ مَدِينَةٍ آمَنَتْ بِالْمَسِيحِ، وَلِهَذَا كَانَتْ عِنْدَ النَّصَارَى إِحْدَى الْمَدَائِنِ الْأَرْبَعَةِ اللَّاتِي فِيهِنَّ بِتَارِكَةٌ، وَهُنَّ: الْقُدْسُ لِأَنَّهَا بَلَدُ الْمَسِيحِ، وَأَنْطَاكِيَةُ لِأَنَّهَا أَوَّلُ بَلْدَةٍ آمَنَتْ بِالْمَسِيحِ عَنْ آخِرِ أَهْلِهَا، وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةُ لِأَنَّ فِيهَا اصْطَلَحُوا عَلَى اتِّخَاذِ الْبَتَارِكَةِ وَالْمَطَارِنَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ وَالْقَسَاوِسَةِ وَالشَّمَامِسَةِ وَالرُّهَابَيْنِ، ثم رومية لأنها مدنية الملك قسطنطين الذي نصر دينهم وأوطده، وَلَمَّا ابْتَنَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ نَقَلُوا الْبُتْرَكَ مِنْ رُومِيَّةَ إِلَيْهَا، كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ ذَكَرَ تَوَارِيخَهُمْ، كَسَعِيدِ بْنِ بِطْرِيقَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلُ مدينة آمنت، فأهل هذه القرية ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وَأَنَّهُ أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم، والله أَعْلَمُ.
[الثَّالِثُ] أَنَّ قِصَّةَ أَنْطَاكِيَةَ مَعَ الْحَوَارِيِّينَ أَصْحَابِ الْمَسِيحِ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ، وَقَدْ ذَكَرَ أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وغير واحد من السلف أن الله تبارك وتعالى بَعْدَ إِنْزَالِهِ التَّوْرَاةَ لَمْ يُهْلِكْ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ عَنْ آخِرِهِمْ بِعَذَابٍ يَبْعَثُهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، ذَكَرُوهُ عند قوله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى [الْقَصَصِ: ٤٣] فَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ أن هذه القرية المذكورة في القرآن قَرْيَةٌ أُخْرَى غَيْرُ أَنْطَاكِيَةَ، كَمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَيْضًا. أَوْ تَكُونُ أَنْطَاكِيَةُ إِنْ كَانَ لَفْظُهَا مَحْفُوظًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَدِينَةً أُخْرَى غَيْرَ هَذِهِ الْمَشْهُورَةِ الْمَعْرُوفَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهَا أُهْلِكَتْ لَا في
(١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٣٧.
(٢) تفسير الطبري ١٠/ ٤٣٧.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
قال اللّه في عقوبة قومه :[ ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ ] مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي : ما احتجنا أن نتكلف في عقوبتهم، فننزل جندا من السماء لإتلافهم، ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ لعدم الحاجة إلى ذلك، وعظمة اقتدار اللّه تعالى، وشدة ضعف بني آدم، وأنهم أدنى شيء يصيبهم من عذاب اللّه يكفيهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٣ - ٣٠} ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ إلى آخر القصة.
أي: واضرب لهؤلاء المكذبين برسالتك، الرادين لدعوتك، مثلا يعتبرون به، ويكون لهم موعظة إن وفقوا للخير، وذلك المثل: أصحاب القرية، وما جرى منهم من التكذيب لرسل الله، وما جرى عليهم من عقوبته ونكاله.
وتعيين تلك القرية، لو كان فيه فائدة، لعينها الله، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم، ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له قرار، ما تعرف به أن طريق العلم الصحيح، الوقوف مع الحقائق، وترك التعرض لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم، من حيث يظن الجاهل أن زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها، ولا حجة عليها ولا يحصل منها من الفائدة إلا تشويش الذهن واعتياد الأمور المشكوك فيها.
والشاهد أن هذه القرية جعلها الله مثلا للمخاطبين. ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ -[٦٩٤]- من الله تعالى يأمرونهم بعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، وينهونهم عن الشرك والمعاصي.
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أي: قويناهما بثالث، فصاروا ثلاثة رسل، اعتناء من الله بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم، ﴿فَقَالُوا﴾ لهم: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ فأجابوهم بالجواب الذي ما زال مشهورا عند من رد دعوة الرسل: فـ ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ أي: فما الذي فضلكم علينا وخصكم من دوننا؟ قالت الرسل لأممهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾
﴿وَمَا أَنزلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: أنكروا عموم الرسالة، ثم أنكروا أيضا المخاطبين لهم، فقالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ﴾
فقالت هؤلاء الرسل الثلاثة: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ فلو كنا كاذبين، لأظهر الله (١) خزينا، ولبادرنا بالعقوبة.
﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عدا هذا من آيات الاقتراح، ومن سرعة العذاب، فليس إلينا، وإنما وظيفتنا -التي هي البلاغ المبين- قمنا بها، وبيناها لكم، فإن اهتديتم، فهو حظكم وتوفيقكم، وإن ضللتم، فليس لنا من الأمر شيء.
فقال أصحاب القرية لرسلهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: لم نر على قدومكم علينا واتصالكم بنا إلا الشر، وهذا من أعجب العجائب، أن يجعل من قدم عليهم بأجل نعمة ينعم الله بها على العباد، وأجل كرامة يكرمهم بها، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، قد قدم بحالة شر، زادت على الشر الذي هم عليه، واس تشأموا بها، ولكن الخذلان وعدم التوفيق، يصنع بصاحبه أعظم مما (٢) يصنع به عدوه.
ثم توعدوهم فقالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ أي: نقتلنكم رجما بالحجارة أشنع القتلات ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
فقالت لهم رسلهم: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ وهو ما معهم من الشرك والشر، المقتضي لوقوع المكروه والنقمة، وارتفاع المحبوب والنعمة. ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أي: بسبب أنا ذكرناكم ما فيه صلاحكم وحظكم، قلتم لنا ما قلتم.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ متجاوزون للحد، متجرمون في قولكم، فلم يزدهم [دعاؤهم] إلا نفورا واستكبارا.
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ حرصا على نصح قومه حين سمع ما دعت إليه الرسل وآمن به، وعلم ما رد به قومه عليهم فقال [لهم] :﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ فأمرهم باتباعهم ونصحهم على ذلك، وشهد لهم بالرسالة، ثم ذكر تأييدا لما شهد به ودعا إليه، فقال: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ أي: اتبعوا من نصحكم نصحا يعود إليكم بالخير، وليس [يريد منكم أموالكم ولا أجرا على نصحه لكم وإرشاده إياكم، فهذا موجب لاتباع من هذا وصفه.
بقي] أن يقال: فلعله يدعو ولا يأخذ أجرة، ولكنه ليس على الحق، فدفع هذا الاحتراز بقوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحسنه، ولا ينهون إلا بما يشهد العقل الصحيح بقبحه.
فكأن قومه لم يقبلوا نصحه، بل عادوا لائمين له على اتباع الرسل، وإخلاص الدين لله وحده، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة، لأنه الذي فطرني، وخلقني، ورزقني، وإليه مآل جميع الخلق، فيجازيهم بأعمالهم، فالذي بيده الخلق والرزق، والحكم بين العباد، في الدنيا والآخرة، هو الذي يستحق أن يعبد، ويثنى عليه ويمجد، دون من لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا عطاء ولا منعا، ولا حياة ولا موتا ولا نشورا، ولهذا قال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ﴾ لأنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه، فلا تغني شفاعتهم عني شيئا، وَلا هُمْ يُنْقذون من الضر الذي أراده الله بي.
﴿إِنِّي إِذًا﴾ أي: إن عبدت آلهة هذا وصفها ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فجمع في هذا الكلام، بين نصحهم، والشهادة للرسل بالرسالة، والاهتداء والإخبار بِتعيُّن (٣) عبادة الله وحده، وذكر الأدلة عليها، وأن عبادة غيره باطلة، وذكر البراهين عليها، والإخبار بضلال من عبدها، والإعلان بإيمانه جهرا، مع خوفه الشديد من قتلهم، فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ فقتله قومه، لما سمعوا منه وراجعهم بما راجعهم به.
فـ ﴿قِيلَ﴾ له في الحال: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ فقال مخبرا بما وصل إليه من الكرامة على توحيده وإخلاصه، وناصحا لقومه بعد وفاته، كما نصح لهم في حياته: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أي: بأي: شيء غفر لي، فأزال عني أنواع العقوبات، ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ -[٦٩٥]- بأنواع المثوبات والمسرات، أي: لو وصل علم ذلك إلى قلوبهم، لم يقيموا على شركهم.
(١) كذا في ب، وفي أ: لظهر خزينا.
(٢) كذا في ب، وفي أ: ما.
(٣) كذا في ب، وفي أ: بتعيين.
قال الله في عقوبة قومه: [ ﴿وَمَا أَنزلْنَا عَلَى قَوْمِهِ] مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: ما احتجنا أن نتكلف في عقوبتهم، فننزل جندا من السماء لإتلافهم، ﴿وَمَا كُنَّا مُنزلِينَ﴾ لعدم الحاجة إلى ذلك، وعظمة اقتدار الله تعالى، وشدة ضعف بني آدم، وأنهم أدنى شيء يصيبهم من عذاب الله يكفيهم ﴿إِنْ كَانَتْ﴾ أي: كانت عقوبتهم ﴿إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي: صوتا واحدا، تكلم به بعض ملائكة الله، ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ قد تقطعت قلوبهم في أجوافهم، وانزعجوا لتلك الصيحة، فأصبحوا خامدين، لا صوت ولا حركة، ولا حياة بعد ذلك العتو والاستكبار، ومقابلة أشرف الخلق بذلك الكلام القبيح، وتجبرهم عليهم.
قال الله متوجعا للعباد: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: ما أعظم شقاءهم، وأطول عناءهم، وأشد جهلهم، حيث كانوا بهذه الصفة القبيحة، التي هي سبب لكل شقاء وعذاب ونكال"
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٠ كتاب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ٢٨ من سورة يس

من كتاب: إعراب القرآن

قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ في الكلام حذف لعلم السامع والتقدير: فقتلوه فقيل: ادخل الجنة فلمّا رأى ما هو فيه من النعيم. قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ.

[سورة يس (٣٦) : آية ٢٧]

بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)
بِما غَفَرَ لِي رَبِّي فيه ثلاثة أوجه: تكون «ما» مصدرا، وتكون بمعنى «الذي»، والثالث استفهاما، وهذا ضعيف لأن الأكثر في الاستفهام: بم غفر لي ربّي؟ بغير ألف وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ قال أبو مجلز: أي بإيماني وتصديقي الرسل. قال أبو إسحاق:
مِنَ الْمُكْرَمِينَ أي أدخلني الجنة.

[سورة يس (٣٦) : آية ٢٨]

وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)
وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ أي لم ينزل جندا من السماء ينتصرون له.

[سورة يس (٣٦) : آية ٢٩]

إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩)
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً في «كانت» مضمر أي أن كانت عقوبتهم أو بليتهم إلّا صيحة. قرأ أبو جعفر إن كانت إلّا صيحة واحدة بالرفع. قال أبو حاتم: ينبغي ألا يجوز لأنه إنما يقال: ما جاءني إلّا جاريتك، ولا يقال: ما جاءتني إلّا جاريتك، لأن المعنى ما جاءني أحد إلا جاريتك أي فلو كان كما قرأ أبو جعفر لقال: إن كان إلا صيحة واحدة. قال أبو جعفر: لا يمتنع من هذا شيء، يقال: ما جاءتني إلّا جاريتك، بمعنى ما جاءتني امرأة أو جارية. والتقدير: بالرفع في القراءة ما قاله أبو إسحاق، قال:
المعنى إن كانت عليهم صيحة إلّا صيحة واحدة وقدّره غيره بمعنى: ما وقعت إلّا صيحة واحدة «وكان» بمعنى: وقع كثير في كلام العرب. وقرأ عبد الرحمن بن الأسود، ويقال: إنه في حرف عبد الله كذلك: إن كانت إلّا زقية واحدة «١». قال أبو جعفر: هذا مخالف للمصحف، وأيضا فإن اللغة المعروفة: زقا يزقو إذا صاح فكان يجب على هذا أن يكون إلّا زقوة. قال قتادة: فَإِذا هُمْ خامِدُونَ أي هالكون.

[سورة يس (٣٦) : آية ٣٠]

يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠)
يا حَسْرَةً منصوب لأنه نداء نكرة لا يجوز فيه إلا النصب عند البصريين، وزعم الفراء أنّ الاختيار النصب وأنها لو رفعت النكرة الموصولة بالصفة لكان صوابا، واستشهد بأشياء منها أنه سمع من العرب: يا مهمّ بأمرنا لا تهتمّ. وأنشد: [الكامل]
(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧٥، ومختصر ابن خالويه ١٢٥.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢٨ من سورة يس

٣ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٦ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٦ أقوال
١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق بعض أصحاب ابن إسحاق- قال: غضب الله له -يعني: لهذا المؤمن- لاستضعافهم إيّاه غضبةً لم يُبق مِن القوم شيئًا، فعجّل لهم النقمة بما استحلُّوا منه، وقال: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾، يقول: ما كابدناهم بالجموع، أي: الأمر أيسر علينا مِن ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٤٢٧-٤٢٨. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال الله: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ﴾: رسالة١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد (٥٦٠)، وأخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٤٢٦. وعلَّقه يحيى بن سلّام ٢‏/‏٨٠٦.
٣
عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾ الآية، قال: ما استعنتُ عليهم جندًا مِن السماء ولا مِن الأرض١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.
٤
عن الحسن: ﴿وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾، والجند: الملائكة الذين يجيئون بالوحي إلى الأنبياء، فانقطع عنهم الوحي، واستوجبوا العذاب، فجاءهم العذاب١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلّام ٢‏/‏٨٠٦.
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ قال: فلا، واللهِ، ما عاتب اللهُ قومَه بعد قتله، ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هُمْ خامِدُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٤٢٧.
٦
قال مقاتل بن سليمان: يقول الله عز وجل: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ يعني: مِن بعد قتْل حبيب النجار ﴿مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ الملائكة١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٧٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف السلف فيما عنى الله بالجند على قولين: الأول: أنها الرسالة. وهو قول مجاهد. الثاني: أن معنى ذلك: أن الله لم يبعث لهم جنودًا يقاتلهم بها، ولكنه أهلكهم بصيحة واحدة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٩/٤٢٨) مستندًا إلى اللغة والدلالة العقلية القول الثاني، وانتقد القول الأول، فقال: «وهذا القول الثاني أولى القولين بتأويل الآية، وذلك أن الرسالة لا يقال لها: جند، إلا أن يكون أراد مجاهد بذلك: الرسل، فيكون وجهًا، وإن كان أيضًا مِن المفهوم بظاهر الآية بعيدًا، وذلك أنّ الرسل من بني آدم لا ينزلون من السماء، والخبر في ظاهر هذه الآية عن أنه لم ينزل من السماء بعد مهلك هذا المؤمن على قومه جندًا، وذلك بالملائكة أشبه منه ببني آدم». وذكر ابنُ عطية (٧/٢٤٤) في «ما» من قوله: ﴿وما كنا منزلين﴾ قولين: الأول: أنها نافية، وعلّق عليه بقوله: «وهذا يجري مع التأويل الثاني في قوله: ﴿ما أنْزَلْنا مِن جُنْدٍ﴾». والثاني: أنها عطف على ﴿جند﴾، والمعنى: «من جند ومن الذي كنا منزلين على الأمم مثلهم قبل ذلك».
التفسير بالمأثور لسورة يس كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٨ من سورة يس

٣ وقفات في هذه الآية

  • وقفات مع حال الذين كذبوا مؤمن آل ياسين

    — أيمن الشعبان

  • برنامج لمسات بيانية سورة يس أية 28

    — فاضل السامرائي

  • (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) أي لم يحتجْ إلى إنزال جند من السماء ليهلكهم(1) فهم أتفه من ذلك. وقوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) يعني أنه ما كان يصح في حكمتنا وتقديرنا أن ننزل عليهم جنداً من السماء ولا ينبغي ذلك(2) لأنهم أقل شأناً من هذا. وقيل أيضاً أن المعنى "أننا ما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم بل نبعث عليهم عذاباً يدمرهم"(3). وعلى هذا يكون معنى قوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) أنه لا ينبغي أن ننزل على هؤلاء جنداً من السماء لإهلاكهم وإنا لم نكن نفعل ذلك فيما مضى. فيكون المعنى نفي الإنزال على وجه العموم بدءاً من الماضي إلى هؤلاء القوم. وأما إنزال الجند لنصرة رسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) في بدر والأحزاب فذلك إنما كان تعظيماً لشأن سيدنا (صلى الله عليه وسلم)، وهو لا يشمله قوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) فإن ذلك متعلق بالأمم الماضية. جاء في التفسير الكبير: "(وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) أية فائدة فيه مع أن قوله (وَمَا أَنْزَلْنَا) يستلزم أنه لا يكون من المنزلين؟ نقول: قوله (وَمَا كُنَّا) ما كان ينبغي لنا أن ننزل لأن الأمر كما كان يتم بدون ذلك فما أنزلنا وما كنا محتاجين إلى إنزال. أو نقول (وَمَا أَنْزَلْنَا، وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) في مثل تلك الواقعة جنداً في غير تلك الواقعة. فإن قيل فكيف أنزل الله جنوداً في يوم بدر وفي غير ذلك حيث قال (وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) ؟ نقول ذلك تعظيماً لمحمد (صلى الله عليه وسلم) "(4). وذهب قوم إلى أن (مَا) في قوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) ليست نافية وإنما هي اسم موصول معطوف على (جُنْدٍ) أي ما أنزلنا على قومه من جند من السماء والذي كنا ننزله على الأمم من أنواع العذاب. ورده أبو حيان بأن ذلك يعني عطف المعرفة على النكرة المجرورة بمن الزائدة وهو لا يصح. جاء في (البحر المحيط): "وقالت فرقة (مَا) اسم معطوف على جند. قال ابن عطية أي من جند ومن الذي كنا منزلين على الأمم مثلهم. انتهى. وهو تقدير لا يصح لأن (مِنْ) في (مِنْ جُنْدٍ) زائدة، ومذهب البصريين غير الأخفش أن لزيادتها شرطين: أحدهما أن يكون قبلها نفي أو نّهي أو استفهام. والثاني أن يكون بعدها نكرة. وإن كان كذلك فلا يجوز أن يكون المعطوف على النكرة معرفة. لا يجوز (ما ضربت من رجل ولا زيد) وأنه لا يجوز (ولا من زيد). وهو قدر المعطوف بـ (الذي). وهو معرفة فلا يعطف على النكرة المجرورة بـ (من) الزائدة"(5). ورد أبو حيان فيه نظر فإن العطف في نحو هذا غير جائز غير أنه لا يعطف على اللفظ وإنما يعطف على الموضع. فإنه لا يصح أن نقول (ما جاءني من امرأة ولا محمودٍ) بجر محمود وإنما نقول برفع محمود. ولا يصح أن نقول (ما رأيت من امرأةٍ ولا خالدٍ) بجر خالد وإنما نقول (ما رأيت من امرأة ولا خالداً) بالنصب لأنه لا يمكن توجه العامل إلى المعرفة. جاء في (المغني) في بحث (العطف على اللفظ): "وشرطه إمكان توجه العامل إلى المعطوف فلا يجوز في نحو (ما جاء من امرأة ولا زيد) إلا الرفع عطفاً على الموضع لأن (من) الزائدة لا تعمل في المعارف"(6). ونحو هذا يكون العطف على اسم لا النافية للجنس. فإن اسم (لا) هذه لابد أن يكون نكرة فإن عطفت عليه معرفة تعين رفعه لأن (لا) لا تعمل في المعارف نحو (لا امرأة فيها ولا زيدٌ) بالرفع فإنه لا يصح في (زيد) النصب أو بناؤه على الفتح(7). وعلى هذا فما المانع في الآية أن تكون (مَا) معطوفة على الموضع فتكون (جند) مجرورة و(ما) منصوبة مثل (ما رأيت من امرأة ولا زيدا)؟ والمعنيان صحيحان يحتملهما التعبير ويتسع لهما معاً فيكون ذلك من التوسع في المعنى. وقد أسند الإنزال إلى نفسه فقال (وَمَا أَنْزَلْنَا) ليدل على أنه هو الذي أنزل العقوبة فهو الذي أرسل الرسل وهو الذي عززهم بثالث وقد أسند ذلك إلى نفسه فقال (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) فناسب أن يسند الإنزال إلى نفسه أيضاً ليدل على أن الجهة المرسلة والمعاقبة واحدة لا يليق أن يكون هو المرسل والمعاقب غيره. جاء في (التفسير الكبير) في قوله (وَمَا أَنْزَلْنَا): "قال ههنا (وَمَا أَنْزَلْنَا) بإسناد الفعل إلى نفسه. وقال في بيان حال المؤمن (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) بإسناد القول إلى غير مذكور، وذلك لأن العذاب من باب الهيبة فقال بلفظ التعظيم. وأما في (ادْخُلِ الْجَنَّةَ) فقال: (قِيلَ) ليكون هو كالمهنأ بقول الملائكة حيث يقول له كل ملك وكل صالح يراه ادخل الجنة خالداً فيها"(8). وقال (عَلَى قَوْمِهِ) بإضافة القوم إلى ضمير الرجل القتيل ذلك أن هذا الرجل أضافهم إلى نفسه فقال لهم (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) فهم قومه وقد دعاهم بـ (قومِ) ليتعطفهم ويدعوهم إلى ما يحييهم فقتلوه فقتلهم ربه سبحانه. وقال (مِنْ بَعْدِهِ) ولم يقل (بَعْدِهِ) للدلالة على أنه أنزل العذاب عليهم بعده مباشرة ولم يمهلهم. فإن (مِنْ) تفيد ابتداء الغاية. ولو قال (وما أنزلنا على قومه بعده) لأحتمل الزمن القصير والطويل فجاء بمن ليدل على أنه عاجلهم بالعقوبة من دون إمهال. جاء في (البحر المحيط): "وقوله (مِنْ بَعْدِهِ) يدل على ابتداء الغاية أي لم يرسل إليهم رسولاً ولا عاتبهم بعد قتله بل عاجلهم بالهلاك"(9). وقال (مِنْ جُنْدٍ) فجاء بمن الدالة على الاستغراق ليدل على أنه لم ينزل جنداً قلّوا أو كثروا. فقد استغرق نفي الإنزال كل الجند ولو لم يذكر (مِنْ) لاحتمل نفي إنزال الجنس ونفي الوحدة فقد يحتمل أنه أنزل جندياً أو جنوداً كما يحتمل أنه لم ينزل أصلاً. واختار كلمة (جُنْدٍ) على (مَلَك) لأنه في مقام العقوبة والمحاربة فكان اختيار لفظ جند أنسب. فإن قومه حاربوا الله ورسوله فحاربهم الله سبحانه من غير جند. واختار الجند على الجنود فقال (مِنْ جُنْدٍ) ولم يقل (من جنود) ذلك أن الجنود جمع جند، فإن (الجند) يجمع على أجناد وجنود(10). ونفي الجند يعني نفي الجنود أما نفي الجنود فلا يعني نفي الجند. ذلك أن نفي الواحد مع (مِنْ) الاستغراقية يعني نفي الجنس كله بخلاف نفي الجمع. فإنه إذا قال (ما أنزلنا من جند) فإن هذا ينفي إنزال الجند والجنود. ونحوه إذا قل (ما حضر من رجال) فإنك نفيت الجمع ولكن لم تنف الواحد أو الاثنين فقد يكون حضر رجل أو رجلان. أما إذا قلت (ما حضر من رجل) فقد نفيت الجنس على سبيل الاستغراق سواء كان واحداً أم مثنى أم جمعاً فلم يحضر أحد. فقوله (مِنْ جُنْدٍ) نفى إنزال الجند والجنود ولو قال (من جنود) لم ينف إنزال الجند فكان ما ذكره أعم واشمل. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن (الجند) اسم جنس جمعي مفرده جندي فالياء للواحد وحذفها يفيد الجنس مثل رومي وروم(11) وزنجي وزنج. أما الجنود فهو جمع تكسير. ومن المعلوم أن اسم الجنس يقع على القليل والكثير فهو يقع على الواحد والاثنين والجمع. فإنك إذا عاملت رومياً واحداً أو روميين جاز لك أن تقول عاملت الروم أما الجمع فلا يصح فيه ذلك وإنما يقع على الجمع فقط(12). فقوله (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) نفى الواحد والاثنين والجمع لأنه نفى اسم الجنس الجمعي ولو جاء بالجنود لم ينف الواحد والاثنين فكان ما ذكره أولى من كل وجه. واختار (مَا) للنفي على (لم) فلم يقل ولم (ننزل) وذلك لأن (مَا) أقوى في النفس من (لم)(13). وقد أكد النفي أيضاً بذكر (من) الاستغراقية المؤكدة، فأكد النفي باستعمال الحرف (مَا) واستعمال (من) الاستغراقية. وهناك أمر آخر حسّن ذكر (مَا) دون (لم) وهو ذكر (من) الاستغراقية فإن القرآن لم يأت البتة بمن الاستغراقية مع (لم) بخلاف (مَا). وقال (مِنَ السَّمَاءِ) ولم يقل (من السماوات) لأن السماء أعم وأشمل من السماوات فهي تشمل السماوات وتشمل أيضاً الجو والسحاب وما علاك على وجه العموم فهي تشمل السماوات وزيادة(14)، فكان ذلك أشمل وأعم. كما ناسب ذكر (من) الاستغراقية ذكر السماء فإن كليهما للاستغراق والعموم. وقد تقول: وما الحاجة إلى ذكر (السَّمَاءِ) وهو لم ينزل عليهم جنداً أصلاً لا من الأرض ولا من السماء؟ فتقول: أنه ذكر أنه لم ينزل عليهم جنداً من السماء وإنما أهلكهم بصيحة منها. فالسماء هي مبدأ إنزال العذاب لكن ليس بالجند وإنما بالصيحة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لو لم يذكر السماء لكانت الآية على النحو الآتي: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ). وهذا المعنى لا يصح لأن قوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) ينفي إنزال الجنود على أية حال سواء كان من السماء أم من غيرها. في حين أن الله سبحانه أنزل جنوداً وأقواماً على آخرين فحاربوهم ودفع بعضهم ببعض وعاقب بعضهم ببعض. وكل إتيان من مكان عال فهو نزول أو إنزال. وكل حرب حصلت بين قومين أو أقوام وانحدر أحدهما من مكان عال فهو نزول. وقد يعذب الله بعض الناس ببعض ويدفع بعضهم ببعض ويبعث بعضهم على بعض كما قال تعالى (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ - الحج (40) وقال (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا) - الإسراء (5). ولا يخلو ذلك من إنزال جند، وكان يأجوج ومأجوج ينزلون من الجبل فيفسدون في الأرض. فلو حذف (مِنَ السَّمَاءِ) لم يستقم المعنى ولم يصح. هذا وأنه لو حذف أي قيد لم يصح المعنى فإن الآية هي: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) 1- فإنه لو حذف (عَلَى قَوْمِهِ) لم يصح المعنى لأن الله سبحانه أنزل جنوداً من السماء بعده وذلك لنصرة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم). 2- ولو حذف (مِنْ بَعْدِهِ) لم يصح المعنى لأن القصد هو معاقبة قومه بعد قتله فإن حذف الظرف لم يفهم أن العقوبة بسبب قتله. والمراد بيان ذلك. 3- ولو حذف (مِنْ جُنْدٍ) لم يصح المعنى لأنه لا يعلم المنفي على وجه التحديد. ولكان النفي عاماً وهو لا يصح إذ سيكون التعبير (وما أنزلنا على قومه من بعده من السماء وما كنا منزلين) وهو نفي لإنزال الجنود ولكل أنواع العذاب من السماء بل هو نفي لكل إنزال من السماء سواء كان خيراً أم شراً وهو لا يصح ولا يستقيم وإذا قيدنا المنزل بالعذاب لم يصح أيضاً إذ سيكون المعنى (وما أنزلنا على قومه من بعده عذاباً من السماء وما كنا منزلين) وهو لا يصح لأن الله سبحانه أنزل عليهم وعلى من قبلهم عذاباً من السماء ولكن ليس جنداً كما أخبر ربنا سبحانه. فقد قال في قوم موسى (فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) - البقرة (59). وقال في قوم لوط (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) - العنكبوت (34). وأرسل على قومه وعلى من قبلهم الصيحة من السماء. والسماء كلمة عامة تشكل كل ما علا سواء كان سحاباً أم غيره. وقد فسر ربنا الرجز النازل على قوم لوط من السماء بأنه الصيحة وإرسال الحجارة، قال تعالى (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) الحجر (73، 74) فلا يصح الحذف. 4- ولو حذف (مِنَ السَّمَاءِ) لم يصح لما ذكرناه. فكان أعدل الكلام كلام ربنا سبحانه. جاء في (التفسير الكبير): "قال (مِنَ السَّمَاءِ) وهو تعالى لم ينزل عليهم ولا أرسل إليهم جنداً من الأرض فما فائدة التقييد؟ نقول الجواب على وجهين: (أحدهما) أن يكون المراد: وما أنزلنا عليهم جنداً بأمر من السماء فيكون للعموم. (وثانيهما) أن العذاب نزل عليهم من السماء فبين أن النازل لم يكن جنداً لهم عظمة وإنما كان ذلك بصيحة أخمدت نارهم وخربت ديارهم"(15). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 95 إلى ص 101: 1- أنظر التفسير الكبير 26/61، فتح القدير 4/356 2- أنظر الكشاف 2/586، التفسير الكبير 26/62، روح المعاني 23/12، فتح القدير 4/356 3- تفسير ابن كثير 3/569 4- التفسير الكبير 26/62 5- البحر المحيط 7/331 – 332 وأنظر روح المعاني 23/2 6- مغني اللبيب 2/473 7- أنظر شرح الأشموني 2/12 8- التفسير الكبير 26/61 9- البحر المحيط 7/331 10- المصباح المنير (جند) 1/111 11- أنظر المصباح المنير (جند) 1/111 12- أنظر شرح الرضي علي الشافية 2/178 13- أنظر معاني النحو 4/570 14- أنظر التعبير القرآني (42 – 43). 15- التفسير الكبير 26/61.

    — فاضل السامرائي

ترجمات معاني الآية ٢٨ من سورة يس

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(28) And We did not send down upon his people after him any soldiers from the heaven, nor would We have done so.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال