المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
هذه نفخة البعث، و ﴿الصور﴾ القرن في قول جماعة المفسرين وبذلك تواترت الأحاديث(١)، وذهب أبو عبيدة إلى أن ﴿الصور﴾ جمع صورة خرج مخرج بسر وبسرة وكذلك قال سورة البناء جمعها سور(٢)، والمعنى عنده وعند من قال بقوله نفخ في صور بني آدم فعادوا أحياء، و ﴿الأجداث﴾ القبور(٣)، وقرأ الأعرج «في الصوَر » بفتح الواو جمع صورة، و ﴿ينسلون﴾ معناه يمشون بسرعة، والنسلان مشية الذئب، ومنه قول الشاعر :
عسلان الذيب أمسى قارباً. . . برد الليل عليه فنسل(٤)
وقال ابن عباس :﴿ينسلون﴾ يخرجون، وقرأ جمهور الناس «ينسِلون » بكسر السين، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو عمرو أيضاً «ينسُلون » بضمها.
١ من ذلك ما رواه المبارك بن فضالة عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(بين النفختين أربعون سنة: الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي بها كل ميت). ومنها حديث متفق عليه، رواه أبو هريرة رضي الله عنه، ولفظه كما في مسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما بين النفختين أربعون)، قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوما؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبَيْت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت،(ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل) قال:(وليس من الإنسان شيء لا يبلى، إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة)، ومعنى قول أبي هريرة:"أبيت": امتنعت عن الكلام لأني لا أدري ما هو الصواب..
٢ وفي ذلك استشهدوا بقول العجاج:
ورب ذي سرادق محجور سرت إليه في أعالي السور.

٣ الجدث-بالثاء-: القبر، والجمع أجداث، وقد وردت بالفاء، يقال: جدف وأجداف، وقد ذكر الزمخشري أنه قرئ بها، قال المتنخل الهذلي:
عرفت بأجدث فنعاف عرق علامات كتحبير النماط.

٤ قيل: هذا البيت للبيد، وقيل: للنابغة الجعدي، وهو في اللسان(نسل) غير منسوب، وفيه أيضا(عسل) منسوب إلى لبيد، وعسل الذئب والتعلب يعسل عسلا وعسلانا: مضى مسرعا واضطرب في عدوه وهز رأسه. والقارب: هو الذي يطلب الماء، وقد حدده الخليل بمن يطلب الماء ليلا فقط، ونسل: أسرع، وهي موضع الشاهد هنا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى