التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - أحوال الإِنسان عندما يتقدم به العمر فقال :﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق أَفَلاَ يَعْقِلُونَ﴾
وقوله :﴿نُّعَمِّرْهُ﴾ من التعمير. بمعنى إطالة العمر.
قال القرطبى : وقوله :﴿نُنَكِّسْهُ﴾ قرأه عاصم وحمزة - بضم النون الأولى وتشديد الكاف - من التنكيس. وقرأه الباقون :﴿نَنْكُسُه﴾ - بفتح النون الأولى وضم الكاف - من نكست الشئ أنكُسُه نَكْساً إذا قلبته على رأسه فانتكس.
قال قتادة : المعنى : أنه يصير إلى حال الهرم الذى يشبه حال الصبا... قال الشاعر :
من عشا أَخْلَقَت الأيام جِدَّتَه... وخانه ثقتاه السمع والبصر
فطول العمر يصير الشباب هَرَما، والقوة ضعفا، والزيادة نقصا.. وقد استعاذ النبى ﷺ من أن يرد إلى أرذل العمر.
والمعنى : " ومن نطل عمره ننكسه فى الخلق " أى : نرده إلى أرذل العمر، فنجعله - بقدرتنا - ضعيفا بعد أن كان قويا، وشيخا بعد أن كان شابا فتيا، وناقص العقل بعد أن كان مكتمله... ﴿أَفَلاَ يَعْقِلُونَ﴾ ذلك - أيها الناس - مع أنه من الأمور المشاهدة أمام أبصاركم، وتعرفون أن من قدر على تحويل الإِنسان من ضعف إلى قوة، ومن قوة إلى ضعف.. قادر - أيضاً - على إعادته إلى الحياة مرة أخرى بعد موته.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - :﴿الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ العليم القدير﴾ وقوله - سبحانه - ﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد هددت الكافرين بسوء المصير إذا استمروا فى كفرهم، وبينت جانباً من فضل الله - تعالى - عليهم، لعلهم يفيئون إلى رشدهم، ويشكرونه على نعمه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى