تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
هذه الآية ترجع إلى ما تضمنه قوله تعالى :﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين﴾ [يس: ٤٦] فقد بيّنا أن المراد بالآيات آيات القرآن، فإعراضهم عن القرآن له أحوالٌ شتى : بعضها بعدم الامتثال لما يأمرهم به من الخير مع الاستهزاء بالمسلمين وهو قوله تعالى :﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله﴾ [يس: ٤٧] الآية، وبعضها بالتكذيب لما يُنذِرهم به من الجزاء، وهو قوله :﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾ [يس: ٤٨]. ومن إعراضهم عنه طعنُهم في آيات القرآن بأقوال شتّى منها قولهم : هو قول شاعر، فلما تصدّى القرآن لإِبطال تكذيبهم بوعيد بالجزاء يوم الحشر بما تعاقب من الكلام على ذلك عاد هنا إلى طعنهم في ألفاظ القرآن من قولهم :﴿بل افتراه بل هو شاعر﴾ [الأنبياء: ٥]، فقولهم ﴿بل هو شاعر﴾ يقتضي لا محالة أنهم يقولون : القرآن شعر.
فالجملة معطوفة على جملة ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾ [الأنبياء: ٣٨]، عطف القصة على القصة والغرضضِ على الغرضضِ. ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً ابتدائياً ويكون الواو للاستئناف، ولذلك اقتصر هنا على تنزيه القرآن عن أن يكون شعراً والنبي ﷺ عن أن يكون شاعراً دون التعرض لتنزيهه عن أن يكون ساحراً، أو أن يكون مجنوناً لأن الغَرض الرد على إعراضهم عن القرآن، ألا ترى أنه لما قصد إبطال مقالات لهم في القرآن قال في الآية الأخرى :﴿وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون﴾ [الحاقة: ٤١، ٤٢].
وضمير ﴿عَلَّمْناهُ﴾ عائد إلى معلوم من مقام الردّ وليس عائداً إلى مذكور إذ لم يتقدم له معاد.
وبني الرد عليهم على طريقة الكناية بنفي تعليم النبي ﷺ الشعر لما في ذلك من إفادة أن القرآن معلَّم للنبيء ﷺ من قِبَل الله تعالى وأنه ليس بشعر وأن النبي ﷺ ليس بشاعر.
وانتصب ﴿الشّعْرَ﴾ على أن مفعول ثاننٍ لفعل ﴿عَلَّمْناهُ﴾، وهذا الفعل من أفعال العلم، ومُجرَّدُه يتعدّى إلى مفعول واحد غالباً نحو عَلِم المسألةَ. ويتعدّى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فإذا دخله التضعيف صار متعدياً إلى مفعولين فقط اعتداداً بأن مجرده متعدّ إلى واحد كقوله تعالى :﴿وإذ علمتك الكتاب والحكمة﴾ [المائدة: ١١٠] في سورة العقود، وقوله :﴿وما علَّمناهُ الشعر﴾ في هذه السورة يس وهذه تفرقة في الاستعمال موكولة إلى اختيار أهل اللسان نبّه عليه الرضيّ في « شرح الكافية » في باب تعدية أفعال القلوب إلى مفعولين بأن أصله متعدّ إلى واحد. فتقدير المعنى : نحن علمناه القرآن وما علمناه الشعر، فالقرآن موحىً إليه بتعليم من الله والذي أوحى به إليه ليس بشعر، وإذن فالمعنى : أن القرآن ليس من الشعر في شيء، فكانت هاته الجملة ردّاً على قولهم : هو شاعر على طريقة الكناية لأنها انتقال من اللازم إلى الملزوم.
ودل على أن هذا هو المقصود من قوله :﴿وما علمناهُ الشعر﴾ قوله عقبه ﴿إن هُوَ إلاَّ ذِكرٌ وقُرءانٌ مبين﴾، أي ليس الذي علمناه إياه إلا ذكراً وقرآناً وما هو بشعر.
والتعليم هنا بمعنى الوحي، أي وما أوحينا إليه الشعر فقد أطلق التعليم على الوحي في قوله تعالى :﴿إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى﴾ [النجم: ٤، ٥] وقال :﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣].
وكيف يكون القرآن شعراً والشعر كلام موزون مقفّى له معان مناسبة لأغراضه التي أكثرها هزل وفكاهة، فأين الوزن في القرآن، وأين التقفية، وأين المعاني التي ينتجها الشعراء، وأين نظم كلامهم من نظمه، وأساليبهم من أساليبه. ومن العجيب في الوقاحة أن يصدر عن أهل اللسان والبلاغة قول مثل هذا ولا شبهة لهم فيه بحال، فما قولهم ذلك إلا بهتان.
وما بني عليه أسلوب القرآن من تساوي الفواصل لا يجعلها موازية للقوافي كما يعلمه أهل الصناعة منهم وكل من زاول مبادىء القافية من المولدين، ولا أحسبهم دَعوهُ شعراً إلا تعجلاً في الإِبطال، أو تمويهاً على الإِغفال، فأشاعوا في العرب أن محمداً ﷺ شاعر، وأن كلامه شعر. وينبَني عن هذا الظن خبر أنيس بن جُنَادة الغفاري أخي أبي ذرّ، فقد روى البخاري عن ابن عباس، ومسلم عن عبد الله بن الصامت، يزيد أحدهما على الآخر قالا :« قال أبو ذر لأخيه : اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء واستمع من قوله ثم ائتني، فانطلقَ الأخ حتى قدم وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له : رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاماً ما هو بالشعر. قال أبو ذر : فما يقول الناس ؟ قال : يقولون شاعر كاهن، ساحر. وكان أُنيس أحد الشعراء، قال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون » ثم اقتص الخبر عن إسلام أبي ذر، ويظهر أن ذلك كان في أول البعثة.
ومثله خبر الوليد بن المغيرة الذي رواه البيهقي وابن إسحاق « أنه جمع قريشاً عند حضور الموسم ليتشاوروا في أمر النبي ﷺ فقال لهم : إن وفود العَرب ترد عليكم فأجمعوا فيه رأياً لا يُكذب بعضكم بعضاً، فقالوا : نقول كاهن ؟ فقال : والله ما هو بكاهن، ما هو بزمزمته ولا بسجعه، قالوا : نقول مجنون ؟ فقال : والله ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا وسوسته، فذكر ترددهم في وصفه إلى أن قالوا : نقول شاعر ؟ قال : ما هو بشاعر، قد عرفت الشعر كله رجزَه وهزجَه وقريضه ومبسوطَه ومقبوضه وما هو بشاعر. إلى آخر القصة
فمعنى ( وما علمناه الشعر ) : وما أوحينا إليه شعرا علمناه إياه
وليس المراد أن الله لم يجعل في طبع النبي القدرة على نظم الشعر لأن تلك المقدرة لا تسمى تعليما حتى تنفى وإنما يستفاد هذا المعنى من قوله بعده ( وما ينبغي له ) وسنتكلم عليه قريبا.
وقد اقتضت الآية نفي أن يكون القرآن شعرا وهذا الاقتضاء قد أثار مطاعن للملحدين ومشاكل للمخلصين وإذ وجدت فقرات قرآنية استكملت ميزان بحور من البحور الشعرية بعضها يلتئم منه بيت كامل وبعضها يتقوم منه مصراع واحد ولا تجد أكثر من ذلك فهذا يلزم منه وقوع الشعر. في آي القرآن.
وقد أثار الملاحدة هذا المطعن فلذلك تعرض أبو بكر الباقلاني إلى دحضه في كتابه إعجاز القرآن وتبعه السكاكي وأبو بكر بن العربي فأما الباقلاني فانفرد برد قال فيه : إن البيت المفرد لا يسمى شعرا بله المصراع الذي لا يكمل به بيت. وأرى هذا غير كاف هنا لأنه لا يستطاع نفي مسمى الشعر عن المصراع وأولى عن البيت.
وقال السكاكي في آخر مبحث رد المطاعن عن القرآن من كتاب مفتاح العلوم « إنهم يقولون أنتم في دعواكم أن القرآن كلام الله وقد علمه محمدا ﷺ على أحد أمرين : إما أن الله تعالى جاهل لا يعلم ما الشعر وإما أن الدعوى باطلة وذلك أن في قرآنكم ( وما علمناه الشعر ) وأنه يستدعي أن لا يكون فيما علمه شعر »
ثم إن في القرآن من جميع البحور شعرا : فمن الطويل من صحيحه ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ).
ومن مخرومه ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ).
ومن بحر المديد ( واصنع الفلك بأعيننا ).
ومن بحر الوافر ( ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ).
ومن بحر الكامل :( والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ).
ومن بحر الهجز من مخرومه :( تالله لقد آثرك الله علينا ).
ومن بحر الرجز ( دانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ).
ومن بحر الرمل ( وجفان كالجواري وقدرو راسيات ) ونظيره ( ورفعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ).
ومن بحر المنسرح ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة ).
ومن بحر الخفيف ( أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ) ومنه ( لا يكادون يفقهون حديثا ) ونحوه ( قال يا قوم هؤلاء بناتي ).
ومن بحر المضارع من مخرومه ( يوم التناد يوم تولون مدبرين ).
ومن بحر المقتضب ( في قلوبهم مرض ).
ومن بحر المتقارب ( وأملي لهم إن كيدي متين ).
فيقال لهم من قبل النظر فيها أوردوه : هل حرفوا بزيادة أو نقصان حركة أو حرفا أم لا. وقبل أن ننظر هل راعوا أحكام علم العروض في الأعاريض والضروب التي سبق ذكرها أم لا.
ومن قَبل أن ننظر هل عملوا بالمنصور من المذهبين في معنى الشعر على نحو ما سبق أم لا ( يعني المذهبين مذهب الذين قالوا لا يكون الشعر شعراً إلا إذا قصد قائله أن يكون موزوناً، ومذهب الذين قالوا : إن تعمُّد الوزن ليس بواجب بل يكفي أن يلفى موزوناً ولو بدون قصد قائله للوزن وقد نصر المذهب الأول ) يا سبحان الله قدروا جميع ذلك أشعاراً، أليس يصح بحكم التغليب أن لا يلتفت إلى ما أوردتموه لقلته، ويُجرى ذلك القرآن مُجرى الخالي عن الشعر فيقال بناء على مقتضى البلاغة :﴿وما علمناه الشعر﴾ اهـ. كلامه، وقد نحا به نحو أمرين :
أحدهما : أن ما وقع في القرآن من الكلام المتّزن ليس بمقصود منه الوزن، فلا يكون شعراً على رأي الأكثر من اشتراط القصد إلى الوزن لأن الله تعالى لم يعبأ باتزانه.
الثاني : إن سلمنا عدم اشتراط القصد فإن نفي كون القرآن شعراً جرى على الغالب. فلا يعدّ قائله كاذباً ولا جاهلاً فلا ينافي اليقين بأن القرآن من عند الله علمه محمداً صلى الله عليه وسلم
ومَال ابن العربي في « أحكام القرآن » إلى أن ما تكلفوه من استخراج فقرات من القرآن على موازين شعرية لا يستقيم إلا بأحد أمور مثل بتر الكلام أو زيادة ساكن أو نقص حرف أو حرفين، وذكر أمثلة لذلك في بعضها ما لا يتم له فراجعْهُ.
ولا محيص من الاعتراف باشتمال القرآن على فقرات متزنة يلتئم منها بيت أو مصراع، فأما ما يقلّ عن بيت فهو كالعدم إذ لا يكون الشعر أقل من بيت، ولا فائدة في الاستكثار من جلب ما يلفى متزناً فإن وقوع ما يساوي بيتاً تاماً من بحر من بحور الشعر العربي ولو نادراً أو مُزَحَّفاً أو مُعَلاّ كاف في بقاء الإِشكال، فلا حاجة إلى ما سلك ابن العربي في رده ولا كفاية لما سلكه السكاكي في كتابه، لأن المردود عليهم في سعة من الأخذ بما يلائم نحلتهم من أضعف المذاهب في حقيقة الشعر وفي زحافِه وعلله. وبعد ذلك فإن الباقلاني والسكاكي لم يغوصَا على اقتلاع ما يثيره الجواب الثاني في كلامِهما بعدم القصد إلى الوزن، من لزوم خفاء ذلك على علم الله تعالى فلماذا لا تُجعل في موضع تلك الفقرات المتزنة فقرات سليمة من الاتّزان.
ولم أر لأحد من المفسرين والخائضين في وجوه إعجاز القرآن التصدي لاقتلاع هذه الشبهة، وقد مضت عليها من الزمان برهة، وكنت غير مقتنع بتلك الردود ولا أرضاها، وأراها غير بالغة من غاية خيل الحلبة منتهاها.
فالذي بدا لي أن نقول : إن القرآن نزل بأفصح لغات البشر التي تواضعوا واصطلحوا عليها ولو أن كلاماً كان أفصح من كلام العرب أو أمة كانت أسلم طباعاً من الأمة العربية لاختارها الله لظهور أفضل الشرائع وأشرف الرسل وأعز الكتب الشرعية.
ومعلوم أن القرآن جاء معجزاً لبلغاء العرب فكانت تراكيبه ومعانيها بالغَيْن حدًّا يقصر عنه كل بليغ من بلغائهم على مبلغ ما تتسع له اللغة العربية فصاحةً وبلاغة فإذا كانت نهاية مقتضى الحال في مقام من مقامات الكلام تتطلب لإيفاء حقّ الفصاحة والبلاغة ألفاظ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى