البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿أوَلم يرى الإنسان﴾ : قبح تعالى إنكار الكفرة البعث، حيث قرر أن عنصره الذي خلق منه هو نطفة ماء مهين خارج من مخرج النجاسة.
أفضى به مهانة أصلة إلى أن يخاصم الباري تعالى ويقول : من يحيى الميت بعدما رمّ ؟ مع علمه أنه منشأ من موات.
وقائل ذلك العاصي بن وائل، أو أمية بن خلف، أو أبي بن خلف، أقوال أصحها أنه أبي بن خلف، رواه ابن وهب عن مالك، وقاله ابن اسحاق وغيره.
والقول أنه أمية، قاله مجاهد وقتادة ؛ ويحتمل أن كلاً منهم واقع ذلك منه.
وقد كان لأبي مع الرسول مراجعات ومقامات، جاء بالعظم الرميم بمكة، ففتته في وجهه الكريم وقال : من يحيى هذا يا محمد ؟ فقال :« الله يحييه ويميتك ويحييك ويدخلك جهنم »، ثم نزلت الآية.
وأبيّ هذا قتلة رسول الله ﷺ بيده يوم أُحُد بالحربة، فخرجت من عنقه.
ووهم من نسب إلى ابن عباس أن الجائي بالعظم هو عبد الله بن أبي بن سلول، لأن السورة والآية مكية بإجماع، ولأن عبد الله بن أبي لم يهاجر قط هذه المهاجرة.
وبين قوله :﴿فإذا هو خصيم مبين﴾ وبين :﴿خلقناه من نطفة﴾، جمل محذوفة تبين أكثرها في قوله في سورة المؤمنون :﴿ثم جعلناه نطفة في قرار مكين﴾ وإنما اعتقب قوله :﴿فإذا هو خصيم مبين﴾ الوصف الذي آل إليه من التمييز والإدراك الذي يتأتى معه الخصام، أي فإذا هو بعدما كان نطفة، رجل مميز منطيق قادر على الخصام، مبين معرب عما في نفسه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى