التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨١:المجلد الثاني عشر
تفسير سورة يس
قال القرطبي : وهي مكية بإجماع، وهي ثلاث وثمانون آية. إلا أن فرقة قالت : إن قوله –تعالى- :[ ونكتب ما قدموا وآثارهم... ] نزلت في بني سلمة من الأنصار، حين أرادوا أن يتركوا ديارهم، وينتقلوا إلى جوار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم(١).
٢- وقد ذكروا في فضلها كثيرا من الآثار، إلا أن معظم هذه الآثار ضعفها المحققون من العلماء، لذا نكتفي بذكر ما هو مقبول منها.
قال ابن كثير ما ملخصه : أخرج الحافظ أبو يعلى عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" من قرأ " يس " في ليلة أصبح مغفورا له "...
وأخرج ابن حبان في صحيحه، عن جندب بن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :" من قرأ " يس " في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له ".
وأخرج الإمام أحمد في مسنده، عن معقل بن يسار، أن رسول الله ﷺ قال :" البقرة سنام القرآن، ويس قلب القرآن. لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم " أي : في ساعات الاحتضار وعند خروج الروح.
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان. قال : كان المشيخة يقولون : إذا قرئت –يعني يس- عند الميت، خفف عنه بها(٢).
وقال الآلوسي ما ملخصه : صح من حديث الإمام أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والطبراني، وغيرهم عن معقل بن يسار، أن رسول الله ﷺ قال :" يس قلب القرآن ".
وذُكِرَ أنها تسمى المُعِمَّةُ، والمدافعة، والقاضية، ومعنى المعمة : التي تعم صاحبها بخير الدنيا والآخرة. ومعنى المدافعة التي تدفع عن صاحبها كل سوء، ومعنى القاضية : التي تقضي له حاجة –بإذن الله وفضله(٣).
٣- وقد افتتحت سورة " يس " بتأكيد الرسول ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وبتكذيب أعدائه الذين أعرضوا عن دعوته، وبتسليته عما أصابه منهم من أذى.
قال –تعالى- :[ يس والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم. تنزيلي العزيز الرحيم. لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون. لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ].
٤- ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك قصة أصحاب القرية، وما جرى بينهم وبين الرسل الذين جاءوا إليهم لهدايتهم، وكيف أهلك الله –تعالى- المكذبين لرسله...
قال –سبحانه- :[ واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون. إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون. قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون. قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين ].
٥- ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك، ألوانا من مظاهر قدرة الله –تعالى-، ومن نعمه على عباده، تلك النعم التي نراها في الأرض التي نعيش عليها، وفي الخيرات التي تخرج منها، كما نراها في الليل والنهار. وفي الشمس وفي القمر، وفي غير ذلك من مظاهر نعمه التي لا تحصى.
قال –تعالى- [ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها، وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب، وفجرنا فيها من العيون. ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون. سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض. ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ].
٦- وبعد هذا البيان الحكيم لمظاهر قدرة الله –تعالى-، وفضله على عباده، حكت السورة الكريمة جانبا من دعاوي المشركين الباطلة، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم، وصورت أحوالهم عندما يخرجون من قبورهم مسرعين، ليقفوا بين يدي الله –تعالى- للحساب والجزاء...
قال –تعالى- :[ ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون. قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون. فاليوم لا تظلم نفس شيئا، ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ].
٧- وبعد أن تحكي السورة الكريمة ما أعده الله تعالى بفضله وكرمه لعباده المؤمنين، من جنات النعيم، ومن خير عميم، تعود فتحكي ما سيكون عليه الكافرون من هم وغم، وكرب وبلاء، بسبب كفرهم، وتكذيبهم للحق الذي جاءهم به نبيهم ﷺ.
قال –تعالى- :[ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان، إنه لكم عدو مبين. وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم. ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون. هذه جهنم التي كنتم توعدون. اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ].
٨- ثم تنزه السورة الكريمة النبي ﷺ عما اتهمه به أعداؤه، من أنه شاعر، وتسليه عما أصابه منهم، وتبين للناس أن وظيفته ﷺ إنما هي الإنذار والبلاغ.
قال –تعالى- [ وما علمناه الشعر وما ينبغي له، إن هو إلا ذكر وقرآن مبين. لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ].
إلى أن يقول –سبحانه- :[ فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ].
٩- ثم تختتم السورة الكريمة بحكاية ما قاله أحد الأشقياء منكرا للبعث والحساب، وردت عليه وعلى أمثاله برد جامع حكيم، برشد كل عاقل إلى إمكانية البعث، وأنه حق لا شك فيه..
قال –تعالى- :[ أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين. وضرب لنا مثلا ونسي خلقه، قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم. الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون. أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، بلى وهو الخلاق العليم. إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ].
١٠- وبعد. فهذا عرض مجمل لسورة " يس " ومنه نرى أن هذه السورة الكريمة قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله –تعالى- وعلى كمال قدرته كما اهتمت بإبراز الأدلة المتعددة على أن البعث حق، وعلى أن الرسول ﷺ صادق فيما يبلغه عن ربه...
كما اهتمت بضرب الأمثال لبيان حسن عاقبة الأخيار، وسوء عاقبة الأشرار.
كل ذلك بأسلوب بليغ مؤثر، يغلب عليه قصر الآيات، وإيراد الشواهد المتنوعة على قدرة الله –تعالى-، عن طريق مخلوقاته المبثوثة في هذا الكون، والتي من شأن المتأمل فيها بعقل سليم، أن يهتدي إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم.
وصدق الله –تعالى- في قوله :[ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ].
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ،
القاهرة – مدينة نصر
صباح الخميس : ٢٣ من شوال سنة ١٤٠٥ه
١١/٧/١٩٨٥م
د. محمد سيد طنطاوي
تفسير سورة يس
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
قال القرطبي : وهي مكية بإجماع، وهي ثلاث وثمانون آية. إلا أن فرقة قالت : إن قوله –تعالى- :[ ونكتب ما قدموا وآثارهم... ] نزلت في بني سلمة من الأنصار، حين أرادوا أن يتركوا ديارهم، وينتقلوا إلى جوار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم(١).
٢- وقد ذكروا في فضلها كثيرا من الآثار، إلا أن معظم هذه الآثار ضعفها المحققون من العلماء، لذا نكتفي بذكر ما هو مقبول منها.
قال ابن كثير ما ملخصه : أخرج الحافظ أبو يعلى عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" من قرأ " يس " في ليلة أصبح مغفورا له "...
وأخرج ابن حبان في صحيحه، عن جندب بن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :" من قرأ " يس " في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له ".
وأخرج الإمام أحمد في مسنده، عن معقل بن يسار، أن رسول الله ﷺ قال :" البقرة سنام القرآن، ويس قلب القرآن. لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم " أي : في ساعات الاحتضار وعند خروج الروح.
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان. قال : كان المشيخة يقولون : إذا قرئت –يعني يس- عند الميت، خفف عنه بها(٢).
وقال الآلوسي ما ملخصه : صح من حديث الإمام أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والطبراني، وغيرهم عن معقل بن يسار، أن رسول الله ﷺ قال :" يس قلب القرآن ".
وذُكِرَ أنها تسمى المُعِمَّةُ، والمدافعة، والقاضية، ومعنى المعمة : التي تعم صاحبها بخير الدنيا والآخرة. ومعنى المدافعة التي تدفع عن صاحبها كل سوء، ومعنى القاضية : التي تقضي له حاجة –بإذن الله وفضله(٣).
٣- وقد افتتحت سورة " يس " بتأكيد الرسول ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وبتكذيب أعدائه الذين أعرضوا عن دعوته، وبتسليته عما أصابه منهم من أذى.
قال –تعالى- :[ يس والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم. تنزيلي العزيز الرحيم. لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون. لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ].
٤- ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك قصة أصحاب القرية، وما جرى بينهم وبين الرسل الذين جاءوا إليهم لهدايتهم، وكيف أهلك الله –تعالى- المكذبين لرسله...
قال –سبحانه- :[ واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون. إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون. قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون. قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين ].
٥- ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك، ألوانا من مظاهر قدرة الله –تعالى-، ومن نعمه على عباده، تلك النعم التي نراها في الأرض التي نعيش عليها، وفي الخيرات التي تخرج منها، كما نراها في الليل والنهار. وفي الشمس وفي القمر، وفي غير ذلك من مظاهر نعمه التي لا تحصى.
قال –تعالى- [ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها، وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب، وفجرنا فيها من العيون. ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون. سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض. ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ].
٦- وبعد هذا البيان الحكيم لمظاهر قدرة الله –تعالى-، وفضله على عباده، حكت السورة الكريمة جانبا من دعاوي المشركين الباطلة، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم، وصورت أحوالهم عندما يخرجون من قبورهم مسرعين، ليقفوا بين يدي الله –تعالى- للحساب والجزاء...
قال –تعالى- :[ ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون. قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون. فاليوم لا تظلم نفس شيئا، ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ].
٧- وبعد أن تحكي السورة الكريمة ما أعده الله تعالى بفضله وكرمه لعباده المؤمنين، من جنات النعيم، ومن خير عميم، تعود فتحكي ما سيكون عليه الكافرون من هم وغم، وكرب وبلاء، بسبب كفرهم، وتكذيبهم للحق الذي جاءهم به نبيهم ﷺ.
قال –تعالى- :[ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان، إنه لكم عدو مبين. وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم. ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون. هذه جهنم التي كنتم توعدون. اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ].
٨- ثم تنزه السورة الكريمة النبي ﷺ عما اتهمه به أعداؤه، من أنه شاعر، وتسليه عما أصابه منهم، وتبين للناس أن وظيفته ﷺ إنما هي الإنذار والبلاغ.
قال –تعالى- [ وما علمناه الشعر وما ينبغي له، إن هو إلا ذكر وقرآن مبين. لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ].
إلى أن يقول –سبحانه- :[ فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ].
٩- ثم تختتم السورة الكريمة بحكاية ما قاله أحد الأشقياء منكرا للبعث والحساب، وردت عليه وعلى أمثاله برد جامع حكيم، برشد كل عاقل إلى إمكانية البعث، وأنه حق لا شك فيه..
قال –تعالى- :[ أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين. وضرب لنا مثلا ونسي خلقه، قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم. الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون. أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، بلى وهو الخلاق العليم. إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ].
١٠- وبعد. فهذا عرض مجمل لسورة " يس " ومنه نرى أن هذه السورة الكريمة قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله –تعالى- وعلى كمال قدرته كما اهتمت بإبراز الأدلة المتعددة على أن البعث حق، وعلى أن الرسول ﷺ صادق فيما يبلغه عن ربه...
كما اهتمت بضرب الأمثال لبيان حسن عاقبة الأخيار، وسوء عاقبة الأشرار.
كل ذلك بأسلوب بليغ مؤثر، يغلب عليه قصر الآيات، وإيراد الشواهد المتنوعة على قدرة الله –تعالى-، عن طريق مخلوقاته المبثوثة في هذا الكون، والتي من شأن المتأمل فيها بعقل سليم، أن يهتدي إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم.
وصدق الله –تعالى- في قوله :[ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ].
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ،
القاهرة – مدينة نصر
صباح الخميس : ٢٣ من شوال سنة ١٤٠٥ه
١١/٧/١٩٨٥م
د. محمد سيد طنطاوي
١ - تفسير القرطبي ج ١٥ ص ١..
٢ - راجع تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٥٤٨..
٣ - راجع تفسير الآلوسي ج ٢٢ ص ٢٠٩..
٢ - راجع تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٥٤٨..
٣ - راجع تفسير الآلوسي ج ٢٢ ص ٢٠٩..