فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
وجملة :﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ﴾ معطوفة على جملة ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ ولا يمنع من ذلك كون المعطوف بصيغة الأمر ؛ لأن المقصود من «أن » الدلالة على المصدر، وذلك لا يختلف بالخبرية والإنشائية، أو يكون المعطوف عليه في معنى الإنشاء ؛ كأنه قيل : كن مؤمناً ثم أقم ؛ والمعنى : أن الله سبحانه أمره بالاستقامة في الدين والثبات فيه، وعدم التزلزل عنه بحال من الأحوال. وخص الوجه ؛ لأنه أشرف الأعضاء، أو أمره باستقبال القبلة في الصلاة، وعدم التحوّل عنها. وحنيفاً حال من الدين، أو من الوجه : أي مائلاً عن كل دين من الأديان إلى دين الإسلام. ثم أكد الأمر المتقدّم للنهي عن ضدّه، فقال :﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ وهو معطوف على أقم، وهو من باب التعريض لغيره ﷺ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أبو الشيخ، عن السديّ في قوله :﴿وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ﴾ يقول : عند قوم ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ نسخت قوله :﴿حِكْمَة بالغة فَمَا تُغْنِي النذر﴾. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ قال : وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم، قوم نوح، وعاد، وثمود.
وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن الربيع في الآية قال : خوّفهم عذابه ونقمته وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر نجى الله رسله والذين آمنوا، فقال :﴿ثُمَّ نُنَجّي رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ﴾ الآية. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في قوله :﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يقول : بعافية. وأخرج البيهقي في الشعب، عن عامر بن قيس، قال : ثلاث آيات في كتاب الله اكتفيت بهنّ عن جميع الخلائق : أوّلهنّ :﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادّ لِفَضْلِهِ﴾، والثانية :﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ﴾، والثالثة :﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ قال : هو الحق المذكور في قوله :﴿قَدْ جَاءكُمُ الحق مِن رَّبّكُمْ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، في قوله :﴿واصبر حتى يَحْكُمَ الله﴾ قال : هذا منسوخ، أمره بجهادهم والغلظة عليهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى