الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مَا لاَ يَضُرُّهُمْ﴾ :" ما " موصولة، أو نكرةٌ موصوفةٌ وهي واقعةٌ على الأصنام، ولذلك راعى لفظها، فأفرد في قوله :﴿مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ ومعناها فجمع في قوله " هؤلاء شفعاؤنا ".
قوله :﴿أَتُنَبِّئُونَ﴾ قرأ بعضهم :" أتُنْبِئون " مخففاً مِنْ أنبأ، يقال : أنبأ ونبَّأ كأخبرَ وخبَّر. وقوله :﴿بِمَا لاَ يَعْلَمُ﴾ " ما " موصولةٌ بمعنى الذي أو نكرة موصوفة كالتي تقدمت. وعلى كلا التقديرين فالعائد محذوف، أي : يعلمه. والفاعل هو ضمير الباري تعالى، والمعنى : أتنبِّئوون الله بالذي لا يعلمه الله، وإذا لم يعلم الله شيئاً استحال وجودُ ذلك الشيء، لأنه تعالى لا يَعْزُب عن علمه شيء، وذلك الشيء هو الشفاعة، ف " ما " عبارة عن الشفاعة.
والمعنى : أن الشفاعةَ لو كانَتْ لَعَلِمَهَا الباري تعالى. وقوله :﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ تأكيدٌ لنفيه، لأنَّ كل موجود لا يَخْرج عنهما. ويجوزُ أن تكونَ " ما " عبارةً عن الأصنام. وفاعل " يعلمُ " ضميرٌ عائد عليها. والمعنى : أَتُعَلِّمون اللَّهَ بالأصنامِ التي لا تَعْلَم شيئاً في السموات ولا في الأرض، وإذا ثَبَتَ أنها لا تعلم فكيف تشفع ؟ والشافع لا بد وأن يعرفَ المشفوعَ عنده، والمشفوعَ له، هكذا أعربه الشيخ، فجعل " ما " عبارة عن الأصنام لا عن الشفاعة، والأول أظهر. و " ما " في " عَمَّا يشركون " يُحتمل أن تكونَ بمعنى الذي، أي : عن شركائهم الذي يُشْركونهم به في العبادة. أو مصدريةٌ، أي : عن إشراكهم به غيره.
وقرأ الأخَوان هنا " عَمَّا يُشْركون "، وفي النحل موضعين، الأول :
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ﴾ [ الآية : ١ ]، والثاني :
﴿بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [ الآية : ٣ ]. وفي الروم :﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [ الآية : ٤٠ ] بالخطاب. والباقون بالغَيْبة في الجميع. والخطاب والغيبة واضحتان.
وأتى هنا ب " يُشْركون " مضارعاً دون الماضي تنبيهاً على استمرار حالِهم كما جاؤوا يعبدون، وتنبيهاً أيضاً على أنَّهم على الشرك في المستقبل، كما كانوا عليه في الماضي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى