الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلاَ يَرْهَقُ﴾ : فيه ثلاثة أوجه، أحدها : أنها مستأنفةٌ. والثاني : أنها في محل نصب على الحال، والعامل في هذه الحال الاستقرار الذي تضمَّنه الجارُّ، وهو " للذين " لوقوعه خبراً عن " الحسنى " قاله أبو البقاء، وقدَّره بقوله :" استقرَّ لهم الحسنى مضموماً لهم السَّلامة "، وهذا ليس بجائز لأن المضارعَ متى وقع حالاً منفيَّاً ب " لا " امتنع دخولُ واو الحال عليه كالمثبت، وإن وَرَدَ ما يُوهم ذلك يُؤَوَّل بإضمار مبتدأ، وقد تقدم تحقيقُه غيرَ مرة. والثالث : أنه في محلِّ رفع نسقاً على " الحسنى "، ولا بدَّ حينئذٍ من إضمار حرفٍ مصدري يَصِحُّ جَعْلُه معه مخبراً عنه بالجارّ، والتقدير : للذين أحسنوا الحسنى، وأنْ لا يرهق، أي : وعدم رَهَقِهم، فلمَّا حُذِفت " أن " رُفع الفعلُ المضارع لأنه ليس من مواضع إضمار " أنْ " ناصبة وهذا كقوله تعالى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾
[الروم: ٢٤]، أي : أن يُرِيَكم، وقوله :" تَسْمع بالمُعَيْدِيّ خيرٌ من أن تراه "، وقوله :
٢٥٨٢ ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوَغَى ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي : أن أحضر. رُوي برفع " أحضر " ونصبه. ومنع أبو البقاء هذا الوجه، فقال :" ولا يجوز أن يكون معطوفاً على " الحسنى " لأن الفعل إذا عُطِفَ على المصدر احتاج إلى " أَنْ " ذِكْراً أو تقديراً، و " أنْ " غيرُ مقدرة لأن الفعلَ مرفوع "، فقوله :" وأَنْ غيرُ مقدرةٍ، لأن الفعل مرفوع " ليس بجيد لأن قوله تعالى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: ٢٤] معه " أنْ " مقدرة مع أنه مرفوع، ولا يَلْزم من إضمار " أنْ " نصب المضارع، بل المشهورُ أنه إذا أُضْمرت " أن " في غير المواضع التي نصَّ النحويون على إضمارها ناصبة ارتفعَ الفعلُ، والنصبُ قليلٌ جدا.
والرَّهَق : الغِشْيان. يقال : رَهِقَه يَرْهَقُه رَهَقا، أي : غَشِيَهُ بسرعة، ومنه
﴿وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٣٧] ﴿فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾
[الجن: ١٣]/ يقال : رَهِقْتُه وأَرْهَقْتُه نحو : رَدِفْتُه وأَرْدَفْتُه، فَفَعَل وأَفْعل بمعنىً، ومنه :" أَرْهَقْت الصلاةَ " إذا أخَّرْتَها حتى غَشِي وقتُ الأخرى، ورجلٌ مُرْهَق، أي : يغشاه الأضياف. وقال الأزهري :" الرَّهَق " اسمٌ من الإِرهاق، وهو أن يَحْمِلَ الإِنسانُ على نفسه ما لا يُطيق، ويقال :" أَرْهَقْتُه عن الصلاة "، أي : أَعْجَلْتُه عنها. وقال بعضهم. أصلُ الرَّهَق : المقاربة، ومنه غلامٌ مراهِق، أي : قارب الحُلُم، وفي الحديث :" ارهَقُوا القِبلة "، أي : اقرُبوا منها، ومنه " رَهِقَتِ الكلابُ الصيدَ "، أي : لحقته.
والقَتَر والقَتَرة : الغبار معه سوادٌ وأنشدوا للفرزدق :
٢٥٨٣ مُتَوَّجٌ برِداء المُلك يَتْبَعُهموجٌ ترى فوقه الراياتِ والقترا
أي : غبار العسكر. وقيل : القَتَرُ : الدخان، ومنه " قُتار القِدْر ". وقيل : القَتْر : التقليل ومنه ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: ٦٧]، ويقال : قَتَرْتُ الشيء وأَقْتَرْتُه وقتَّرته، أي : قَلَّلْته، ومنه ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾
[البقرة: ٢٣٦]، وقد تقدم. والقُتْرَةُ : ناموس الصائد. وقيل : الحفرة، ومنه قول امرىء القيس :
٢٥٨٤ رُبَّ رامٍ من بني ثُعَلٍمُتْلِجٍ كَفَّيْهِ في قُتَرِهْ
أي : في حفرته التي يَحْفرها. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وأبو رجاء والأعمش " قَتْرٌ " بسكونِ التاء وهما لغتان قَتْر وقَتَرَ كقَدْر وقَدَر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى