فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
لما بيّن فضائح المشركين أتبعها بإيراد الحجج الدامغة، من أحوال الرزق والحواس، والموت والحياة، والابتداء والإعادة، والإرشاد والهدى، وبنى سبحانه الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤولين، ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس، فقال :﴿قُلْ﴾ يا محمد للمشركين احتجاجاً لحقية التوحيد، وبطلان ما هم عليه من الشرك ﴿مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والأرض﴾ من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات والمعادن، فإن اعترفوا حصل المطلوب، وإن لم يعترفوا فلا بدّ أن يعترفوا بأن الله هو الذي خلقهما ﴿أَم مَّنْ يَمْلِكُ السمع والأبصار﴾ أم هي المنقطعة، وفي هذا انتقال من سؤال إلى سؤال، وخص السمع والبصر بالذكر، لما فيهما من الصنعة العجيبة، والقدرة الباهرة العظيمة، أي : من يستطيع ملكهما وتسويتهما على هذه الصفة العجيبة، والخلقة الغريبة، حتى ينتفعوا بهما هذا الانتفاع العظيم، ويحصلون بهما من الفوائد ما لا يدخل تحت حصر الحاصرين. ثم انتقل إلى حجة ثالثة، فقال :﴿وَمَن يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت﴾ الإنسان من النطفة، والطير من البيضة، والنبات من الحبة، أو المؤمن من الكافر ﴿يَخْرُجُ الميت مِنَ الحيّ﴾ أي : النطفة من الإنسان، أو الكافر من المؤمن، والمراد من هذا الاستفهام عمن يحيي ويميت. ثم انتقل إلى حجة رابعة، فقال :﴿وَمَن يُدَبّرُ الأمر﴾ أي : يقدّره ويقضيه، وهذا من عطف العام على الخاص ؛ لأنه قد عمّ ما تقدّم وغيره ﴿فَسَيَقُولُونَ الله﴾ أي : سيكون قولهم في جواب هذه الاستفهامات إن الفاعل لهذه الأمور هو : الله سبحانه، إن أنصفوا وعملوا على ما يوجبه الفكر الصحيح والعقل السليم، وارتفاع الاسم الشريف على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف، أي : الله يفعل ذلك، ثم أمره الله سبحانه بعد أن يجيبوا بهذا الجواب أن يقول لهم :﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ والاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر : أي تعلمون ذلك، أفلا تتقون وتفعلون ما يوجبه هذا العلم من تقوى الله الذي يفعل هذه الأفعال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ﴾ يقول : سبقت كلمة ربك. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، قال : صدقت. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿أَم مَنْ لا يَهِدِى إِلاَّ أَن يهدى﴾ قال : الأوثان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله :﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لي عَمَلِي﴾ الآية، قال : أمره بهذا، ثم نسخه، فأمره بجهادهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى