محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
ثم احتج أيضا على حقيّة التوحيد وبطلان الشرك بما هو من خصائصه تعالى، من بدء الخلق وإعادته، فقال سبحانه :
[ ٣٤ ] ﴿قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون ٣٤﴾.
﴿قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ أي من يبدؤه من النطفة، ويجعل فيه الروح ليتعرف إليه، ويستعمله أعمالا، ثم يحييه يوم القيامة، ليجزيه بما أسلف / في أيامه الخالية. وإنما نظمت الإعادة في سلك الاحتجاج، مع عدم اعترافهم بها، إيذانا بظهور برهانها، للأدلة القائمة عليها سمعا وعقلا، وإن إنكارها مكابرة وعنادا لا يلتفت إليه، وإشعارا بتلازم البدء والإعادة وجودا وعدما، يستلزم الاعتراف به الاعتراف بها. ثم أمر عليه الصلاة والسلام بأن يبين لهم من يفعل ذلك، فقيل له :﴿قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون﴾ أي فكيف تصرفون إلى عبادة الغير، مع عجزه عما ذكر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: تنبيه :
قال الرازي في هذه الآية :
اعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا، ثم بالهداية ثانيا، عادة مطردة في القرآن. فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال :﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ (١) وعن موسى عليه السلام مثله فقال :﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ (٢). وأمر محمد ﷺ بذلك فقال :﴿سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق / فسوى * والذي قدر فهدى﴾ (٣). وهو في الحقيقة دليل شريف، لأن الإنسان له جسد وروح، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فههنا أيضا، لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى وهو قوله(٤) :﴿أمن يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية. والمقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح، كما قال تعالى(٥) :﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾، وهذا كان كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد، وإنما أعطى الحواس، لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم. وأيضا، فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم، أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة. أما الأحوال الروحانية، والمعارف الإلهية. فإنها كمالات باقية أبد الآباد، مصونة عن الكون والفساد. فعلمنا أن الخلق تبع للهداية، والمقصود الأشرف الأعلى حصول الهداية. ولاضطراب العقول وتشعب الأفكار كانت الهداية وإدراك الحق بإعانته تعالى وحده. والهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق، أو عن تحصيل معرفتها. وعلى كل فقد بينا أنها أشرف المراتب، وأعلى السعادات، وأنها ليست إلا منه تعالى. وأما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى الحق، ولا في الإرشاد إلى الصدق، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد، وأن الأصنام لا تأثير لها في شيء من ذلك، وإذا كان كذلك، كانت عبادتها جهلا محضا، وسفها صرفا. فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال. اهـ.
[ ٣٤ ] ﴿قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون ٣٤﴾.
﴿قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ أي من يبدؤه من النطفة، ويجعل فيه الروح ليتعرف إليه، ويستعمله أعمالا، ثم يحييه يوم القيامة، ليجزيه بما أسلف / في أيامه الخالية. وإنما نظمت الإعادة في سلك الاحتجاج، مع عدم اعترافهم بها، إيذانا بظهور برهانها، للأدلة القائمة عليها سمعا وعقلا، وإن إنكارها مكابرة وعنادا لا يلتفت إليه، وإشعارا بتلازم البدء والإعادة وجودا وعدما، يستلزم الاعتراف به الاعتراف بها. ثم أمر عليه الصلاة والسلام بأن يبين لهم من يفعل ذلك، فقيل له :﴿قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون﴾ أي فكيف تصرفون إلى عبادة الغير، مع عجزه عما ذكر.
قال الرازي في هذه الآية :
اعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا، ثم بالهداية ثانيا، عادة مطردة في القرآن. فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال :﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ (١) وعن موسى عليه السلام مثله فقال :﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ (٢). وأمر محمد ﷺ بذلك فقال :﴿سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق / فسوى * والذي قدر فهدى﴾ (٣). وهو في الحقيقة دليل شريف، لأن الإنسان له جسد وروح، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فههنا أيضا، لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى وهو قوله(٤) :﴿أمن يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية. والمقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح، كما قال تعالى(٥) :﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾، وهذا كان كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد، وإنما أعطى الحواس، لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم. وأيضا، فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم، أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة. أما الأحوال الروحانية، والمعارف الإلهية. فإنها كمالات باقية أبد الآباد، مصونة عن الكون والفساد. فعلمنا أن الخلق تبع للهداية، والمقصود الأشرف الأعلى حصول الهداية. ولاضطراب العقول وتشعب الأفكار كانت الهداية وإدراك الحق بإعانته تعالى وحده. والهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق، أو عن تحصيل معرفتها. وعلى كل فقد بينا أنها أشرف المراتب، وأعلى السعادات، وأنها ليست إلا منه تعالى. وأما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى الحق، ولا في الإرشاد إلى الصدق، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد، وأن الأصنام لا تأثير لها في شيء من ذلك، وإذا كان كذلك، كانت عبادتها جهلا محضا، وسفها صرفا. فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال. اهـ.