الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ : منصوبٌ على المصدر المؤكِّدِ، لأنَّ معنى " إليه مَرْجِعُكُمْ " : وَعَدَكم بذلك.
وقوله :﴿حَقّاً﴾ مصدرٌ آخرُ مؤكِّدٌ لمعنى هذا الوعد، وناصبُه مضمر، أي : أَحُقُّ ذلك حقاً. وقيل : انتصب " حقاً " ب " وَعْدَ " على تقدير " في "، أي : وَعْدَ الله في حق، يعني على التشبيه بالظرف. وقال الأخفش الصغير :" التقدير : وقتَ حق " وأنشد :
قوله :﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ﴾ الجمهورُ على كسر الهمزة للاستئناف. وقرأ عبد الله وابن القعقاع والأعمش وسهل بن شعيب بفتحها. وفيها تأويلاتٌ، أحدها : أن تكونَ فاعلاً بما نصب " حقاً "، أي : حَقَّ حَقَّاً بَدْءُ الخلق، ثم إعادتُه، كقوله :
٢٥٦٧ أحقاً عبادَ الله أَنْ لستُ جائِياً ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البيت. وهو مذهبُ الفراء فإنه قال :" والتقدير : يحقُّ أنه يبدأ الخلق. الثاني : أنه منصوبٌ بالفعل الذي نَصَبَ " وعد الله " أي : وَعَدَ الله تعالى بَدْء الخلق ثم إعادتَه، والمعنى إعادة الخلق بعد بَدْئه. الثالث : أنه على حَذْف لام الجر أي : لأنه، ذكر هذا الأوجهَ الثلاثة الزمخشري وغيره. الرابع : أنه بدلٌ من " وَعْدَ الله " قاله ابن عطية. الخامس : أنه مرفوعٌ بنفس " حقاً " أي : بالمصدر المنون، وهذا إنما يتأتَّى على جَعْل " حقاً " غيرَ مؤكدٍ ؛ لأنَّ المصدر المؤكدَ لا عملَ له إلا إذا ناب عن فعلِه، وفيه بحثٌ. السادس : أن يكونَ " حقاً " مشبهاً بالظرف خبراً مقدماً و " أنَّه " في محلِّ رفعٍ مبتدأً مؤخراً كقولهم : أحقاً أنك ذاهب قالوا : تقديره : أفي حقٍ ذهابك.
وقرأ ابن أبي عبلة :" حَقٌّ أنه " برفع [ حق ] وفتح " أنَّ " على الابتداء والخبر. قال الشيخ :" وكونُ " حق " خبرَ مبتدأ، و " أنه " هو المبتدأ هو الوجه في الإِعراب، كما تقول :" صحيحٌ أنك تخرج " لأن [ اسم ] " أنَّ " / معرفة، والذي تقدَّمها في هذا المثال نكرة ". قلت : فظاهرُ هذه العبارةِ يُشعر بجواز العكس، وهذا قد ورد في باب " إنَّ " كقوله :
وقوله :
٢٥٦٩ وإن شفاءً عَبْرَةٌ أَنْ سَفَحْتُها وهل عند رسمٍ دارسٍ مِنْ مُعَوَّل ***
على جَعْل " أنْ سفحتُها " بدلاً من " عبرة ". وقد أخبر في " كان " عن نكرةٍ بمعرفةٍ كقوله :
٢٥٧٠. . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ولا يكُ موقفٌ منكِ الوَدَاعا
وقوله :
٢٥٧١. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** يكون مزاجَها عَسَلٌ وماءُ
وقال مكي :" وأجاز الفراء رفع " وعد "، يجعله خبراً ل " مرجعكم ".
وأجاز رفعَ " وعد " و " حق " على الابتداء والخبر، وهو حسنٌ، ولم يقرأ به أحد ". قلت : نعم لم يرفع وعد وحق معاً أحد، وأمَّا رفعُ " حق " وحده فقد تقدم أن ابن أبي عبلة قرأه، وتقدَّم توجيهُه. ولا يجوز أن يكون " وعدَ الله " عاملاً في " أنه " لأنه قد وُصِف بقوله " حقاً " قاله أبو الفتح.
وقرىء " وَعَدَ اللَّهُ " بلفظ الفعل الماضي ورفعِ الجلالة فاعلةً، وعلى هذه يكون " أنه يَبْدَأ " معمولاً له إنْ كان هذا القارىءُ يفتح " أنه ".
والجمهور على " يَبْدأُ " بفتح الياء مِنْ بدأ، وابن أبي طلحة " يُبْدِىء " مِنْ أَبْدأ، وبَدَأ وأبدأ بمعنى.
قوله :﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلق بقوله " ثم يُعيده "، و " بالقسطِ " متعلقٌ ب " يَجْزي ". ويجوز أن يكونَ حالاً : إمَّا من الفاعلِ أو المفعول أي : يَجْزيهم ملتبساً بالقسط أو ملتبسين به. والقِسْط : العدل.
قوله :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يحتمل وجهين، أحدهما : أن يكون مرفوعاً بالابتداء، والجملةُ بعده [ خبره ]. الثاني : أن يكون منصوباً عطفاً على الموصول قبلَه، وتكونُ الجملةُ بعده مبيِّنَةً لجزائهم. و " شراب " [ يجوز أَنْ ] يكونَ فاعلاً، وأن يكون مبتدأ، [ والأولُ أَوْلَى ].
قوله :﴿بِمَا كَانُواْ﴾ الظاهرُ تعلُّقُه بالاستقرار المضمر في الجارِّ الواقع خبراً، والتقدير : استقر لهم شراب من جهنم وعذاب أليم بما كانوا. وجَوَّز أبو البقاء فيه وجهين ولم يذكر غيرهما الأول : أن يكونَ صفةً أخرى ل " عذاب ". والثاني : أن يكونَ خبر مبتدأ محذوف، وهذا لا معنى له ولا حاجةَ إلى العُدول عن الأول.
وقوله :﴿حَقّاً﴾ مصدرٌ آخرُ مؤكِّدٌ لمعنى هذا الوعد، وناصبُه مضمر، أي : أَحُقُّ ذلك حقاً. وقيل : انتصب " حقاً " ب " وَعْدَ " على تقدير " في "، أي : وَعْدَ الله في حق، يعني على التشبيه بالظرف. وقال الأخفش الصغير :" التقدير : وقتَ حق " وأنشد :
| ٢٥٦٦ أحقاً عبادَ الله أنْ لَسْتُ ذاهباً | ولا والِجاً إلا عليَّ رقيبُ |
٢٥٦٧ أحقاً عبادَ الله أَنْ لستُ جائِياً ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البيت. وهو مذهبُ الفراء فإنه قال :" والتقدير : يحقُّ أنه يبدأ الخلق. الثاني : أنه منصوبٌ بالفعل الذي نَصَبَ " وعد الله " أي : وَعَدَ الله تعالى بَدْء الخلق ثم إعادتَه، والمعنى إعادة الخلق بعد بَدْئه. الثالث : أنه على حَذْف لام الجر أي : لأنه، ذكر هذا الأوجهَ الثلاثة الزمخشري وغيره. الرابع : أنه بدلٌ من " وَعْدَ الله " قاله ابن عطية. الخامس : أنه مرفوعٌ بنفس " حقاً " أي : بالمصدر المنون، وهذا إنما يتأتَّى على جَعْل " حقاً " غيرَ مؤكدٍ ؛ لأنَّ المصدر المؤكدَ لا عملَ له إلا إذا ناب عن فعلِه، وفيه بحثٌ. السادس : أن يكونَ " حقاً " مشبهاً بالظرف خبراً مقدماً و " أنَّه " في محلِّ رفعٍ مبتدأً مؤخراً كقولهم : أحقاً أنك ذاهب قالوا : تقديره : أفي حقٍ ذهابك.
وقرأ ابن أبي عبلة :" حَقٌّ أنه " برفع [ حق ] وفتح " أنَّ " على الابتداء والخبر. قال الشيخ :" وكونُ " حق " خبرَ مبتدأ، و " أنه " هو المبتدأ هو الوجه في الإِعراب، كما تقول :" صحيحٌ أنك تخرج " لأن [ اسم ] " أنَّ " / معرفة، والذي تقدَّمها في هذا المثال نكرة ". قلت : فظاهرُ هذه العبارةِ يُشعر بجواز العكس، وهذا قد ورد في باب " إنَّ " كقوله :
| ٢٥٦٨ وإن حراماً أن أَسُبَّ مُجاشعاً | بآبائيَ الشُّمِّ الكرامِ الخَضَارمِ |
٢٥٦٩ وإن شفاءً عَبْرَةٌ أَنْ سَفَحْتُها وهل عند رسمٍ دارسٍ مِنْ مُعَوَّل ***
على جَعْل " أنْ سفحتُها " بدلاً من " عبرة ". وقد أخبر في " كان " عن نكرةٍ بمعرفةٍ كقوله :
٢٥٧٠. . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ولا يكُ موقفٌ منكِ الوَدَاعا
وقوله :
٢٥٧١. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** يكون مزاجَها عَسَلٌ وماءُ
وقال مكي :" وأجاز الفراء رفع " وعد "، يجعله خبراً ل " مرجعكم ".
وأجاز رفعَ " وعد " و " حق " على الابتداء والخبر، وهو حسنٌ، ولم يقرأ به أحد ". قلت : نعم لم يرفع وعد وحق معاً أحد، وأمَّا رفعُ " حق " وحده فقد تقدم أن ابن أبي عبلة قرأه، وتقدَّم توجيهُه. ولا يجوز أن يكون " وعدَ الله " عاملاً في " أنه " لأنه قد وُصِف بقوله " حقاً " قاله أبو الفتح.
وقرىء " وَعَدَ اللَّهُ " بلفظ الفعل الماضي ورفعِ الجلالة فاعلةً، وعلى هذه يكون " أنه يَبْدَأ " معمولاً له إنْ كان هذا القارىءُ يفتح " أنه ".
والجمهور على " يَبْدأُ " بفتح الياء مِنْ بدأ، وابن أبي طلحة " يُبْدِىء " مِنْ أَبْدأ، وبَدَأ وأبدأ بمعنى.
قوله :﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلق بقوله " ثم يُعيده "، و " بالقسطِ " متعلقٌ ب " يَجْزي ". ويجوز أن يكونَ حالاً : إمَّا من الفاعلِ أو المفعول أي : يَجْزيهم ملتبساً بالقسط أو ملتبسين به. والقِسْط : العدل.
قوله :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يحتمل وجهين، أحدهما : أن يكون مرفوعاً بالابتداء، والجملةُ بعده [ خبره ]. الثاني : أن يكون منصوباً عطفاً على الموصول قبلَه، وتكونُ الجملةُ بعده مبيِّنَةً لجزائهم. و " شراب " [ يجوز أَنْ ] يكونَ فاعلاً، وأن يكون مبتدأ، [ والأولُ أَوْلَى ].
قوله :﴿بِمَا كَانُواْ﴾ الظاهرُ تعلُّقُه بالاستقرار المضمر في الجارِّ الواقع خبراً، والتقدير : استقر لهم شراب من جهنم وعذاب أليم بما كانوا. وجَوَّز أبو البقاء فيه وجهين ولم يذكر غيرهما الأول : أن يكونَ صفةً أخرى ل " عذاب ". والثاني : أن يكونَ خبر مبتدأ محذوف، وهذا لا معنى له ولا حاجةَ إلى العُدول عن الأول.