الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَثُمَّ﴾ : قد تقدَّم خلافُ الزمخشري للجمهور في ذلك، حيث يقدِّر جملةً بين همزة الاستفهام وحرف العطف. و " ثمَّ " حرفُ عطف، وقد قال الطبري ما لا يوافَق عليه فقال :" وأثُمَّ هذه بضمِّ الثاء ليست التي بمعنى العطف، وإنما هي بمعنى هنالك " فإن كان قَصَدَ تفسير المعنى وهو بعيدٌ فقد أبهم في قوله، لأن هذا المعنى لا يُعْرَفُ في " ثُمَّ " بضم الثاء، إلا أنه قد قرأ طلحة بن مصرف " أثَمَّ " بفتح الثاء، وحينئذ يَصِحُّ تفسيرها بمعنى هنالك.
قوله :﴿الآنَ﴾ قد تقدَّم الكلام في " الآن ". وقرأ الجمهور " ألآن " بهمزة استفهام داخلة على " الآن " وقد تقدم مذاهب القراء في ذلك. و " الآن " نصبٌ بمضمر تقديره : الآن آمنتم. ودلَّ على هذا الفعلِ المقدرِ الفعلُ الذي تقدَّمه وهو قولُه :﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾. ولا يجوز أن يعملَ فيه " آمنتم " الظاهرُ ؛ لأنَّ ما قبلَ الاستفهام لا يَعْمل فيما بعده، كما أنَّ ما بعدَه لا يعملُ فيما قبله لأنَّ له صدرَ الكلام، وهذا الفعلُ المقدرُ ومعمولُه على إضمار قول أي : قِيل لهم إذ آمنوا بعد وقوعِ العذابِ : آمنتم الآن به.
والقراءةُ بالاستفهامِ هي قراءةُ العامة، وقد عَرَفْتَ تخريجَها. وقرأ عيسى وطلحة " آمنتم به الآن " بوصل الهمزة من غيرِ استفهامٍ، وعلى هذه القراءةِ ف " الآن " منصوبٌ ب " آمنتم " هذا الظاهر.
قولُه :﴿وَقَدْ كُنتُم﴾ جملةٌ حاليةٌ. قال الزمخشري :﴿وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يعني تُكَذِّبون، لأنَّ استعجالَهم كان على جهةِ التكذيبِ والإِنكارِ ". قلت : فَجَعَله من باب الكناية لأنه دلالةٌ على الشيءِ بلازِمِه نحو " هو طويلُ النِّجاد " كَنَيْتَ به عن طولِ قامتِه ؛ لأنَّ طولَ نِجادِه لازمٌ لطول قامتِه وهو باب بليغ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى