اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :" أثُمَّ " قد تقدَّم خلافُ الزمخشري للجمهور في ذلك، حيث يقدِّر جملة بين همزة الاستفهام، وحرف العطف، و " ثمَّ " : حرفُ عطف.
واعلم : أنَّ دخول حرف الاستفهام على " ثُمَّ " كدخوله على " الواوِ " و " الفاء " في قوله :﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى﴾ [الأعراف: ٩٨]، ﴿أفأمن أَهْلُ القرى﴾ [الأعراف: ٩٧] وهو يفيد التَّقريع والتَّوبيخ، وقال الطبري :" أثُمَّ " هذه بضمِّ الثاء ليست التي بمعنى : العطف، وإنَّما هي بمعنى :" هنالك " وهذا لا يوافقُ عليه ؛ لأنَّ هذا المعنى لا يعرفُ في " ثُمَّ " بضم " الثاء "، إلاَّ أنَّه قد قرأ طلحة(١) بن مصرِّف :" أثَمَّ " بفتح الثاء، وحينئذ يصحُّ تفسيرها بمعنى : هنالك.
قوله :" ألآن " قد تقدَّم الكلام في ﴿الآن﴾ [البقرة: ٧٢]، وقرأ الجمهور :" ألآن " بهمزة الاستفهام داخله على " الآن " وقد تقدَّم مذاهبُ الفراء في ذلك، و " الآن " نصب بمضمر تقديره : الآن آمنتم، ودلَّ على هذا الفعل المقدَّر الفعلُ الذي تقدمهُ، وهو قوله :﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ولا يجوز أن يعمل فيه " آمنتُم " الظَّاهرُ ؛ لأنَّ ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده، كما أنَّ ما بعده لا يعملُ فيما قبله ؛ لأنَّ له صدر الكلام، وهذا الفعلُ المقدَّرُ ومعمولُه على إضمار قول، أي : قيل لهم إذ آمنوا بعد وقوع العذابِ : آمنتُم الآن به، وقرأ عيسى، وطلحة :" آمنتم به الآن " بوصل الهمزة من غير استفهامٍ، وعلى هذه القراءة ف " الآن " منصوبٌ ب " آمنتم " هذا الظَّاهر.
قوله :﴿وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ " وقَدْ كُنتُم " جملةٌ حاليةٌ، قال الزمخشري :" وقد كُنتُم به تَستعجلُون ؛ يعني : تُكذِّبُونَ ؛ لأنَّ استعجالهم كان على جهةِ التَّكذيب، والإنكار ".
فجعله من باب الكناية ؛ لأنَّه دلالةٌ على الشَّيء بلازمه، نحو " هو طويلُ النَّجاد " كنيت به عن طُول قامته ؛ لأنَّ طولَ نجاده لازمٌ لطول قامته، وهو باب بليغٌ.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٢٤، البحر المحيط ٥/١٦٦، الدر المصون ٤/٤١، إتحاف فضلاء البشر ٢/١١٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى