اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله - تعالى - :﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرض﴾ الآية.
أي : أشركت ما في الأرض، ﴿لاَفْتَدَتْ بِهِ﴾ إلاَّ أنَّ ذلك يتعذر ؛ لأنه في القيامةِ لا يملك شيئاً ؛ لقوله - تعالى - :﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً﴾ [مريم: ٩٥] وبتقدير : أن يملك خزائن الأرض لا يقبل منه الفداء ؛ لقوله - تعالى - :﴿وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] وقوله :" ظَلَمَتْ " في محل جرِّ صفةٍ ل " نَفْسٍ " أي : لكلِّ نفس ظالمة، و " ما فِي الأرض " اسمُ " أنَّ " و " لكلِّ " هو الخبر.
قوله :﴿لاَفْتَدَتْ بِهِ﴾ :" افتدى " يجوز أن يكون متعدياً، وأن يكون قاصراً، فإذا كان مطاوعاً ل " فَدَى " كان قاصراً، تقول : فَدَيتُهُ فافْتَدَى، ويكُون بمعنى : فَدَى " فيتعدَّى لواحدٍ، والفعلُ هنا يحتملُ الوجهين : فإن جعلناه مُتعدِّياً، فمفعوله محذوفٌ تقديره : لافتدت به نفسها، وهو في المجاز، كقوله :﴿كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١].
قوله :" وَأَسَرُّواْ " قيل :" أسرَّ " من الأضداد، يستعمل بمعنى : أظهر ؛ كقول الفرزدق :[ الطويل ]
وَلَمَّا رَأَى الحَجَّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُأَسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كَانَ أَضْمَرَا(١)
وقول الآخر :[ الوافر ]
فأسْررتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نَادَىبِرَدِّ جمالِ غاضِرَةَ المُنَادِي(٢)
ويستعمل بمعنى :" أخْفَى " وهو المشهورُ في اللُّغةِ، كقوله - تعالى - :﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]. وهو في الآية يحتمل الوجهين، وقيل إنَّه ماض على بابه قد وقع، وقيل : بمعنى : المستقبل ؛ لأنَّها لمَّا كانت واجبة الوقوع جعل مستقبلها كالماضي، وقد أبعد بعضهم، فقال :﴿وَأَسَرُّواْ الندامة﴾ أي : بدتْ بالنَّدامة أسِرَّةُ وجوههم، أي : تكاسيرُ جباههم. قوله :" لَمَّا رَأَوُاْ " يجوزُ أن تكون حرفاً، وجوابها محذوفٌ لدلالة ما تقدَّم عليه، أو هو المتقدِّم عند من يرى تقديم جواب الشَّرطِ جائزاً، ويجوز أن تكون بمعنى :" حين " والنَّاصبُ لها :" أسَرُّوا ".

فصل


إذا فسرنا الإسْرار بالإخفاء ففيه وجوهٌ :
الأول : أنهم لمَّا رَأوا العذابَ الشَّديد، صارُوا مبهُوتين، لم يطيقُوا بكاء ولا صراخاً سوى إسرار النَّدامة، كمن يذهبُ به ليُصلب، فإنَّه يبقى مبهُوتاً لا ينطق بكلمة.
الثاني : أنَّهم أسرُّوا النَّدامة من سفلتهم، وأتباعهم، حياء منهم، وخوفاً من توبيخهم.
فإن قيل : إنَّ مهابة ذلك الوقت تمنع الإنسان من هذا التَّدبير، فكيف أقدمُوا عليه ؟.
فالجواب : أنَّ هذا الكتمان قبل الاحتراق، فإذا احترقوا، تركوا هذا الإخفاء وأظهروه ؛ لقوله - تعالى - :﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦].
الثالث : أنَّهم أسرُّوا النَّدامة ؛ لأنَّهم أخلصُوا لله في تلك الندامة، ومن أخلص في الدعاء أسرَّهُ، وفيه تهكُّمٌ بهم وبإخلاصهم، أي : أنَّهم إنَّما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته.
ومن فسَّر الإسرار بالإظهار، فإنَّهم إنَّما أخفُوا النَّدامة على الكفر والفسق في الدُّنيا ؛ لأجْلِ حفظ الرِّياسة، وفي القيامة يبطل هذا الغرض ؛ فوجب الإظهار.
قوله " وَقُضِيَ " يجوزُ أن يكون مستأنفاً، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون معطوفاً على " رَأوْا " فيكون داخلاً في حيَّز " لمَّا " والضَّميرُ في " بينهُم " يعودُ على " كُلِّ نفسٍ " في المعنى، وقال الزمخشري :" بين الظَّالمين والمظلومين، دلَّ على ذلك ذكرُ الظُّلْمِ ".
وقيل : يعود على الرؤساء والأتباع، و " بِالقِسْطِ " يجوز أن تكون الباءُ للمصاحبةِ، وأن تكون للآلة، وقوله :" وإليه تُرْجعُون " قدَّم الجارَّ للاختصاص، أي : إليه لا إلى غيره ترجعُون ؛ ولأجْل الفواصل، وقرأ العامَّةُ :" تُرجعُون " بالخطاب، وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر(٣) :" يُرْجعُون " بياء الغيبة.
١ البيت ليس في ديوان الفرزدق. ينظر: البحر المحيط ٥/١٦٧ واللسان (سرر) والأضداد للأصمعي، والأضداد للأنباري ٣٧ وزاد المسير ٤/٣٩ وشرح القصائد الجاهليات ٤٩ والدر المصون ٤/٤٣..
٢ البيت لكثير عزة. ينظر: ديوانه (٢٢١) والبحر المحيط ٥/١٦٧ والقرطبي ٨/٢٢٥ والدر المصون ٤/٤٣..
٣ ينظر: إتحاف فضلاء البشر ٢/١١٦، المحرر الوجيز ٣/١٢٥، البحر المحيط ٥/١٦٨، الدر المصون ٤/٤٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى