السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني
عن الكتاب
﴿ولو أنّ لكل نفس ظلمت﴾ أي : أشركت ﴿ما في الأرض﴾ من الأموال ﴿لافتدت به﴾ من عذاب يوم القيامة ولم ينفعها الفداء لقوله تعالى ﴿ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون﴾ [ البقرة، ٤٨ ]. ﴿وأسروا الندامة لما رأوا العذاب﴾ أي : حين عاينوه وأبصروه صاروا مبهوتين متحيرين فلم يطيقوا عنده بكاءً ولا صراخاً سوى إسرار الندم كالحال فيمن ذهب به ليصلب ؛ فإنه يبقى مبهوتاً متحيراً لا ينطق بكلمة. وقيل : إنهم أخلصوا لله في تلك الندامة، ومن أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم ؛ لأنهم إنما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته، بل كان من الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا وقت التكليف، وقيل : المراد بالإسرار الإظهار، وهو من الأضداد ؛ لأنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة، وفي القيامة بطل هذا فوجب الإظهار وليس هناك تخلد. فإن قيل : أسرّوا جاء على لفظ الماضي والقيامة من الأمور المستقبلة أجيب : بأنها لما كانت واجبة الوقوع جعل الله مستقبلها كالماضي. ﴿وقضي بينهم﴾ أي : بين الخلائق ﴿بالقسط﴾ أي : بالعدل ﴿وهم لا يظلمون﴾.
فإن قيل : هذه الآية مكرّرة ؟ أجيب : بأنّ الأولى في القضاء بين الأنبياء وتكذيبهم وهذه عامّة. وقيل : بين المؤمنين والكفار. وقيل : بين الرؤساء والأتباع، فإنّ الكفار وإن اشتركوا في العذاب فلا بدّ أن يقضي الله تعالى بينهم ؛ لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضاً في الدنيا وخانه، فيكون في ذلك القضاء تخفيف عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب الباقين ؛ لأنّ العدل يقتضي أن ينصف المظلومين من الظالمين، ولا سبيل إليه إلا أن يخفف من عذاب المظلومين، ويثقل في عذاب الظالمين.
فإن قيل : هذه الآية مكرّرة ؟ أجيب : بأنّ الأولى في القضاء بين الأنبياء وتكذيبهم وهذه عامّة. وقيل : بين المؤمنين والكفار. وقيل : بين الرؤساء والأتباع، فإنّ الكفار وإن اشتركوا في العذاب فلا بدّ أن يقضي الله تعالى بينهم ؛ لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضاً في الدنيا وخانه، فيكون في ذلك القضاء تخفيف عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب الباقين ؛ لأنّ العدل يقتضي أن ينصف المظلومين من الظالمين، ولا سبيل إليه إلا أن يخفف من عذاب المظلومين، ويثقل في عذاب الظالمين.