اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿لَهُمُ البشرى﴾ روى عبادة بن الصَّامت، قال : سألتُ رسول الله ﷺ عن قوله - تعالى - :﴿لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة﴾ قال : هي الرُّؤيا الصَّالحةُ، يراها المسلمُ أو تُرى لهُ(١).
وروى أبو هريرة قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" لم يبق من النبوة إلا المبشرات " قالوا : وما المبشرات ؟ قال :" الرؤيا الصالحة " (٢).
وقال - عليه الصلاة والسلام - :" الرُّؤيا الصَّالحة جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءاً من النُّبوَّةِ(٣). "
وقيل : البُشْرَى في الدُّنيا هي : الثَّناءُ الحسن، وفي الآخرة : الجنَّة ؛ لما روى أبو ذرٍّ، قال : قلت يا رسُول الله : الرَّجل يعمل لنفسه، ويحبُّه الناس، قال : تلك عاجلُ بُشْرَى المؤمِن(٤). وقال الزهريُّ، وقتادة : هي نزول الملائكة بالبشارة من الله - تعالى عند الموت، قال - تعالى - :﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة﴾(٥) [فصلت: ٣٠]. وروى عطاء نحوه، عن ابن عباسٍ.
وقال الحسن : هي ما بشَّر الله المؤمنين في كتابه من جنَّته، وكريم ثوابه، كقوله :﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ﴾ [البقرة: ٢٥] ﴿وَبَشِّرِ المؤمنين﴾ [البقرة: ٢٢٣] ﴿وَأَبْشِرُواْ بالجنة﴾(٦) [فصلت: ٣٠].
وقيل : بشَّرهم في الدُّنيا بالكتاب والرسُول أنهم أولياء الله، وبشَّرهم في القبور، وفي كتب أعمالهم بالجنَّة.
قوله :﴿فِي الحياة الدنيا﴾ : يجوز فيه وجهان :
أظهرهما : أنَّه متعلقٌ بالبشرى، أي : البشرى تقع في الدُّنيا، كما فُسِّرت بالرُّؤيا الصَّالحة.
والثاني : أنَّها حالٌ من " البُشْرَى " فتتعلق بمحذوف، والعاملُ في الحال الاستقرارُ في " لهم " لوقوعه خبراً.
قوله :" لا تبْديلَ " جملةٌ مستأنفةٌ، أي : لا تغيير لقوله، ولا خلف لوعده.
وقوله :" ذَلِكَ " إشارةٌ للبُشْرَى، وإن كانت مؤنَّثةً ؛ لأنَّها في معنى التَّبشير، وقال ابن عطيَّة : إشارةٌ إلى النَّعيم، وقال الزمخشري(٧) :" ذَلِكَ إشارةٌ إلى كونهم مُبشِّرين في الدَّارين ".
١ أخرجه الترمذي (٤/٤٦٣) كتاب الرؤيا: باب قوله: لهم البشرى في الحياة الدنيا... حديث (٢٢٧٥) وابن ماجه (٣٨٩٨) والحاكم (٤/٣٩١) وأحمد (٥/٣١٥) والدارمي (٢/١٢٣) عن عبادة بن الصامت وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٥٥٩) وزاد نسبته إلى الطيالسي والهيثم بن كليب والحكيم الترمذي وابن المنذر والطبري وأبي الشيخ وابن مردويه..

٢ أخرجه البخاري ١٢/٣٧٥، في التعبير: باب المبشرات (٦٩٩٠)، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/٨٨ وذكره السيوطي في "الدر المنثور"..
٣ أخرجه مالك في الموطأ ٢/٩٥٦، في الرؤيا: باب ما جاء في الرؤيا (١) وأخرجه البخاري ١٢/٣٦١، في كتاب التعبير: باب الرؤيا الصالحة (٦٩٨٣)، ومسلم ٤/١٧٧٤ في كتاب الرؤيا: باب عقب حديث (٧/٢٢٦٤)، ومن رواية أبي هريرة البخاري في كتاب التعبير باب الرؤيا الصالحة (٦٩٨٨)، ومسلم ٤/١٧٧٤ في كتاب الرؤيا: (٨/٢٢٦٣) ومن رواية عبادة بن الصامت رضي الله عنه البخاري (٦٩٨٧)، ومسلم (٧/٢٢٦٤) ومن رواية أبي سعيد الخدري البخاري (٦٩٨٩)..
٤ أخرجه مسلم ٤/٢٠٣٤، كتاب البر والصلة: باب إذا أثني على الصالح (١٦٦-٢٦٤٢) وابن ماجه ٢/١٤١٢، كتاب الزهد: باب في الثناء الحسن (٤٢٢٥)..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٥٨١) عن الزهري وقتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٥٦٢) وعزاه إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عنهما.
وذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٦٠)..

٦ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٦٠)..
٧ ينظر: الكشاف ٢/٣٥٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى