غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿شأن﴾ بغير همز حيث كان : أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿يعزب﴾ بالكسر حيث كان : علي. الباقون بالضم. ﴿ولا أصغر﴾ ﴿ولا أكبر﴾ بالرفع فيهما : حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل. الآخرون بالنصب.
الوقوف :﴿تفيضون فيه﴾ ط ﴿مبين﴾ ه ﴿يحزنون﴾ ه ج لأن ﴿الذين﴾ يصلح صفة ﴿لأولياء﴾ ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على ﴿يتقون﴾ أو مبتدأ خبره ﴿لهم البشرى﴾ فلا يوقف على ﴿يتقون﴾ ﴿وفي الآخرة﴾ ط ﴿لكلمات الله﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى ﴿أولياء﴾ وقول الأولياء لا يحزن الرسول. ﴿قولهم﴾ م لئلا يوهم أن قوله :﴿إن العزة﴾ مقول الكفار. ﴿جميعاً﴾ ط ﴿العليم﴾ ه ﴿الأرض﴾ ط ﴿شركاء﴾ ط ﴿يخرصون﴾ ه ﴿مبصراً﴾ ط ﴿يسمعون﴾ ه ﴿سبحانه﴾ ط ﴿الغني﴾ ط ﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿بهذا﴾ ط ﴿ما لا تعلمون﴾ ه ﴿لا يفلحون﴾ ه ط، ﴿يكفرون﴾.
يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة. ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد : كيف تليق هذه الحالة بما قبلها ؟ فقال الشيخ : تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله. ثم أخبر الله سبحانه عنهم بأن ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ فقيل : بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات﴾ [البقرة: ٢٥] ﴿يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات﴾ [التوبة: ٢١] وقيل : إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن. عن أبي ذر رضي الله عنه قلت : يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس. قال : تلك عاجل بشرى المؤمن. والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه. ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله. وقيل : هي الرؤيا الصالحة. وعنه ﷺ :«الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة » وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي ﷺ استنبأ بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر. ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين. وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والإطلاع على بعض ما هنالك. وعن عطاء : البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت ﴿تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة﴾ [فصلت: ٣٠] وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في «الأنعام » ﴿ذلك﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام. تقول : فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي :﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد : لا شريك لله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿وما تكون في شأن﴾ من النبوة ﴿وما تتلوا﴾ من شأن النبوة ﴿من قرآن﴾ ﴿ولا تعملون﴾ يا أمة محمد ﷺ ﴿من عمل﴾ من الأعمال من قبول القرن ورده من مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر. ﴿ولا في السماء﴾ أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة ﴿ولا أصغر﴾ من الحركة وهو القصد دون الفعل ﴿ولا أكبر﴾ من النية وهو العمل ﴿ألا إن أولياء الله﴾ الذين هم أعداء النفوس ﴿لا خوف عليهم﴾ من تمني النظر بنفوسهم ﴿ولا هم يحزنون﴾ على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ بالوقائع والمبشرات ﴿وفي الآخرة﴾ بكشف القناع عن جمال العزة. ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن ولياً وللعدوّ كن عدواً ﴿ولا يحزنك﴾ يا رسول القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك ﴿إن العزة لله جميعاً﴾ يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعاً فلا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما جاء في الحديث الرباني «وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك» ﴿ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض﴾ أي القلوب السماوية والنفوس الأرضية ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى باختيارهم لا باختيارنا ﴿هو الذي جعل لكم﴾ ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ﴿لقوم يسمعون﴾ حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية. ثم أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفاً بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد. وهذا الكشف والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى ﴿له ما في السموات﴾ الروحانية من الكشوف والأحوال ﴿وما في الأرض﴾ البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من الشبهات والآفات ﴿إن الذين يفترون﴾ هم النفوس الأمارة بالسوء ﴿لا يفلحون﴾ لا يظفرون بكشف الحقائق ﴿ثم نذيقهم﴾ لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا بالألم والله أعلم.
الوقوف :﴿تفيضون فيه﴾ ط ﴿مبين﴾ ه ﴿يحزنون﴾ ه ج لأن ﴿الذين﴾ يصلح صفة ﴿لأولياء﴾ ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على ﴿يتقون﴾ أو مبتدأ خبره ﴿لهم البشرى﴾ فلا يوقف على ﴿يتقون﴾ ﴿وفي الآخرة﴾ ط ﴿لكلمات الله﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى ﴿أولياء﴾ وقول الأولياء لا يحزن الرسول. ﴿قولهم﴾ م لئلا يوهم أن قوله :﴿إن العزة﴾ مقول الكفار. ﴿جميعاً﴾ ط ﴿العليم﴾ ه ﴿الأرض﴾ ط ﴿شركاء﴾ ط ﴿يخرصون﴾ ه ﴿مبصراً﴾ ط ﴿يسمعون﴾ ه ﴿سبحانه﴾ ط ﴿الغني﴾ ط ﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿بهذا﴾ ط ﴿ما لا تعلمون﴾ ه ﴿لا يفلحون﴾ ه ط، ﴿يكفرون﴾.
يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة. ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد : كيف تليق هذه الحالة بما قبلها ؟ فقال الشيخ : تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله. ثم أخبر الله سبحانه عنهم بأن ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ فقيل : بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات﴾ [البقرة: ٢٥] ﴿يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات﴾ [التوبة: ٢١] وقيل : إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن. عن أبي ذر رضي الله عنه قلت : يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس. قال : تلك عاجل بشرى المؤمن. والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه. ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله. وقيل : هي الرؤيا الصالحة. وعنه ﷺ :«الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة » وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي ﷺ استنبأ بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر. ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين. وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والإطلاع على بعض ما هنالك. وعن عطاء : البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت ﴿تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة﴾ [فصلت: ٣٠] وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في «الأنعام » ﴿ذلك﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام. تقول : فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي :﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد : لا شريك لله.