محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
[ ٦٤ ] ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ٦٤﴾.
وقوله تعالى :﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ﴿البشرى﴾ مصدر إما باق على مصدريته، والمبشر به محذوف، أي لهم البشارة فيهما بالجنة، وإنما حذف للعلم به من آيات أخر كقوله تعالى(١) :﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا... إلى قوله : يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم﴾، وقوله تعالى(٢) :﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ وإما مراد به المبشر به، وتعريفه للعهد. كقوله سبحانه(٣) :﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيدهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم﴾.
وقوله تعالى :﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ أي لمواعيده ﴿ذلك﴾ أي بشراكم، وهي / الجنة، ﴿هو الفوز العظيم﴾ أي المنال الجليل. الذي لا مطلب وراءه. كيف ؟ وقد فازوا بالجنة وما فيها، ونجوا من النار وما فيها.
تنبيه :
هذه الآية الكريمة أصل في بيان أولياء الله، وقد بين تعالى في كتابه، ورسوله في سنته، أن لله أولياء من الناس، كما أن للشيطان أولياء. وللإمام تقي الدين بن تيمية، عليه الرحمة، كتاب في ذلك سماه ( الفرقان بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان ) نقتبس منه جملة يهم الوقوف عليها، لكثرة ما يدور على الألسنة من ذكر الولي والأولياء. قال رحمه الله :
إذا عرف أن الناس فيهم أولياء الرحمان، وأولياء الشيطان، فيجب أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء، كما فرق الله ورسوله بينهما، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون، كما في هذه الآية، وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال(٤) :" يقول الله : من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، أو فقد آذنته بالحرب " (٥)... الحديث وهذا أصح حديث يروى في الأولياء، دل على أن من عادى وليا لله، فقد بارز الله بالمحاربة.
وفي حديث آخر(٦) :" وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب ". أي : آخذ ثأرهم ممن عاداهم، كما يأخذ الليث الحرب ثأره. وهذا، لأن أولياء الله هم الذين آمنوا به ووالوه، فأحبوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض، ورضوا بما يرضى، وسخطوا بما يسخط، وأمروا بما يأمر، ونهوا عما نهى، وأعطوا لمن يحب أن يعطى، ومنعوا من يحب أن يمنع.
والولاية ضد العداوة. وأصل الولاية المحبة والقرب. وأصل العداوة البغض والبعد.
وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم، وأفضلهم محمد ﷺ، خاتم النبيين، وإمام المتقين، الذي بعثه الله بأفضل كتبه، وشرع له أفضل شرائع دينه، وجعله الفارق بين أوليائه، وأعدائه، فلا يكون وليا لله إلا من آمن به، وبما جاء به، واتبعه ظاهرا وباطنا. ومن ادعى محبة الله وولايته، وهو لم يتبعه، فليس من أولياء الله، بل من خالفه كان من أعداء الله، وأولياء الشيطان. وإن كان كثير من الناس يظنون في أنفسهم أو في غيرهم أنهم من أولياء الله، ولا يكونون من أوليائه. فاليهود والنصارى يدعون أنهم من أولياء الله وأحباؤه. قال تعالى(٧) :﴿قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق..﴾ الآية. وكان مشركو العرب يدعون أنهم أهل الله، لسكناهم مكة، ومجاورتهم البيت، فأنزل تعالى(٨) :﴿وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون﴾. وكما أن من الكفار من يدعي أنه ولي الله، وليس وليا لله، بل عدو له، فكذلك من المنافقين الذين يظهرون الإسلام، يقرون في الظاهر بالشهادتين، ويعتقدون في الباطن ما يناقض ذلك، مثل ألا يقروا باطنا برسالته عليه السلام، وإنما كان ملكا مطاعا، ساس الناس، برأيه، من جنس غيره من الملوك. أو يقولون إنه رسول الله إلى الأميين خاصة. أو يقولون إنه مرسل إلى عامة الخلق، وأن لله أولياء خاصة لم يرسل إليهم، ولا يحتاجون إليه، بل لهم طريق إلى الله من غير جهته، كما كان الخضر مع موسى. أو أنهم يأخذون عن الله كل ما يحتاجون إليه، وينتفعون به من غير واسطة، أو أنه مرسل بالشرائع الظاهرة، وهم موافقون له فيها. وأما الحقائق الباطنة، فلم يرسل بها، أو لم يكن يعرفها. أو هم أعرف بها منه، أو يعرفونها مثل ما يعرفها من غير طريقته. فهؤلاء كلهم كفار، مع أنهم يعتقدون في طائفتهم أنهم أولياء الله. وإنما أولياء الله : الذين وصفهم تعالى بولايته بقوله(٩) :﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾.
ولا بد في الإيمان من أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وأن محمدا ﷺ، خاتم النبيين، مرسل إلى جميع الثقلين الإنس والجن. فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن، فضلا عن أن يكون من أولياء الله المتقين ومن آمن ببعض ما جاء به، وكفر ببعض، فهو كافر ليس بمؤمن.
ومن الإيمان به، الإيمان بأنه الواسطة بين الله وبين خلقه، في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وحلاله وحرامه. فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه ورسوله ﷺ. فمن اعتقد أن لأحد من الأولياء طريقا إلى الله من غير متابعة محمد ﷺ، فهو كافر من أولياء الشيطان.
وأما خلق الله تعالى للخلق، ورزقه إياهم، وإجابته لدعائهم، وهدايته لقلوبهم، ونصرهم على أعدائهم، وغير ذلك من جلب المنافع، ودفع المضار، فهذا لله وحده، يفعله بما يشاء من الأسباب، لا يدخل في مثل هذا وساطة الرسل.
ثم لو بلغ الرجل في الزهد والعبادة والعلم ما بلغ، ولم يؤمن بجميع ما جاء به محمد ﷺ، فليس بمؤمن، ولا ولي لله تعالى. كالأحبار والرهبان من علماء اليهود والنصارى وعبّادهم، وكذلك المنتسبون إلى العلم والعبادة من مشركي العرب والترك والهند وغيرهم، ممن كان من حكماء الهند والترك، وله علم أو زهد وعبادة في دينه، وليس مؤمنا بجميع ما جاء به، فهو كافر، عدو لله، وإن ظن طائفة أنه ولي الله. كما كان حكماء الفرس من المجوس كفارا مجوسا، وكذلك حكماء اليونان مثل أرسطو وأمثاله، كانوا مشركين، يعبدون الأصنام والكواكب. وفي أصناف المشركين من هذه الطوائف من له اجتهاد في العلم والزهد والعبادة، ولكن ليس بمؤمن بالرسل، ولا يصدقهم فيما أخبروا به، ولا يطيعهم فيما أمروا، فهؤلاء ليسوا بمؤمنين، ولا أولياء الله، وهؤلاء تقترن بهم الشياطين، وتنزل عليهم، فيكاشفون الناس ببعض الأمور، لهم تصرفات خارقة من جنس السحر، وهم من جنس الكهان والسحرة / الذين تنزل عليهم الشياطين. قال تعالى(١٠) :﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون﴾. وهؤلاء جميعهم الذين ينتسبون إلى المكاشفات، وخوارق العادات، إذا لم يكونوا متبعين للرسل، فلا بد أن يكذبوا، وتكذبهم شياطينهم، ولا بد أن يكون في أعمالهم ما هو إثم وفجور، مثل نوع من الشرك أو الظلم أو الفواحش أو الغلو أو البدع في العبادة، ولهذا تنزلت عليهم الشياطين، واقترنت بهم، فصاروا من أولياء الشيطان، لا من أولياء الرحمن.
ومن الناس من يكون فيه إيمان، وفيه شعبة من نفاق، كما في ( الصحيحين ) (١١) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ، أنه قال :" آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان " وفي ( صحيح مسلم ) (١٢) :" وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ".
وإذ كان أولياء الله هم ( المؤمنون المتقون )، فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى، فمن كان أكمل إيمانا وتقوى، كان أكمل ولاية لله. فالناس متفاضلون في ولاية الله عز وجل، بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك يتفاضلون في عداوة الله، بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق.
وأولياء الله على طبقتين : سابقون ومقربون وأصحاب يمين مقتصدون، ذكرهم الله في عدة مواضع من كتابه العزيز. فالأبرار أصحاب اليمين، هم المتقربون إلى الله بالفرائض، يفعلون ما أوجب الله عليهم، ويتركون ما حرم الله عليهم، ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات، ولا الكفّ عن فضول المباحات. وأما السابقون المقربون، فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، ففعلوا / الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، فلما تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم، أحبهم الرب حبا تاما، كما قال تعالى(١٣) :﴿ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه﴾ يعني الحب المطلق.
ثم إذا كان العبد لا يكون وليا لله إلا إذا كان مؤمنا تقيا لهذه الآية فمعلوم أن أحدا من الكفار والمنافقين لا يكون وليا لله. وكذلك من لا يصح إيمانه وعبادته، وإن قدر أنه لا إثم عليه، مثل أطفال الكفار، ومن لم تبلغه الدعوة، وإن قيل إنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم رسولا، فلا يكونون من أولياء الله، إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين. فمن يتقرب إلى الله، لا بفعل الحسنات ولا بفعل السيئات، لم يكن من أولياء الله.
وكذلك المجانين والأطفال، فإن النبي ﷺ قال(١٤) :" رفع القلم عن ثلاثة : عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ ". وهذا الحديث قد رواه أهل ( السنن ) من حديث عائشة رضي الله عنها، واتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول. ولكن الصبي المميز تصح عباداته، ويثاب عليها عند جمهور العلماء، وأما المجنون الذي رفع عنه القلم، فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء، ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من العبادات، بل لا يصلح هو، عند عامة العقلاء، لأمور الدنيا. كالتجارة والصناعة. فلا يصلح أن يكون بزازا ولا عطارا ولا حدادا ولا نجارا، ولا تصح عقوده باتفاق العلماء. فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته، ولا غير ذلك من أقواله، بل أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي، ولا ثواب ولا عقاب. بخلاف الصبي / المميز فإن له أقوالا معتبرة في مواضع، بالنص والإجماع، وفي مواضع فيها نزاع وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل، وامتنع أن يكون وليا لله، فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه ولي لله، لاسيما أن تكون حجته على ذلك إما مكاشفة سمعها منه، أو نوعا من تصرف، مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات أو صرع. فإنه قد علم أن الكفار والمنافقين من المشركين وأهل الكتاب لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية كالكهان والسحرة وعبّاد المشركين وأهل الكتاب، فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليا لله، إن لم يعلم ما يناقض ولاية الله، فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله ؟ مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب اتباع النبي ﷺ، ظاهرا وباطنا، بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر، دون الحقيقة الباطنة، أو يعتقد أن لأولياء الله طريقا إلى الله غير طريق الأنبياء عليهم الصلاة والس
وقوله تعالى :﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ﴿البشرى﴾ مصدر إما باق على مصدريته، والمبشر به محذوف، أي لهم البشارة فيهما بالجنة، وإنما حذف للعلم به من آيات أخر كقوله تعالى(١) :﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا... إلى قوله : يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم﴾، وقوله تعالى(٢) :﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ وإما مراد به المبشر به، وتعريفه للعهد. كقوله سبحانه(٣) :﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيدهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم﴾.
وقوله تعالى :﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ أي لمواعيده ﴿ذلك﴾ أي بشراكم، وهي / الجنة، ﴿هو الفوز العظيم﴾ أي المنال الجليل. الذي لا مطلب وراءه. كيف ؟ وقد فازوا بالجنة وما فيها، ونجوا من النار وما فيها.
تنبيه :
هذه الآية الكريمة أصل في بيان أولياء الله، وقد بين تعالى في كتابه، ورسوله في سنته، أن لله أولياء من الناس، كما أن للشيطان أولياء. وللإمام تقي الدين بن تيمية، عليه الرحمة، كتاب في ذلك سماه ( الفرقان بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان ) نقتبس منه جملة يهم الوقوف عليها، لكثرة ما يدور على الألسنة من ذكر الولي والأولياء. قال رحمه الله :
إذا عرف أن الناس فيهم أولياء الرحمان، وأولياء الشيطان، فيجب أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء، كما فرق الله ورسوله بينهما، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون، كما في هذه الآية، وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال(٤) :" يقول الله : من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، أو فقد آذنته بالحرب " (٥)... الحديث وهذا أصح حديث يروى في الأولياء، دل على أن من عادى وليا لله، فقد بارز الله بالمحاربة.
وفي حديث آخر(٦) :" وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب ". أي : آخذ ثأرهم ممن عاداهم، كما يأخذ الليث الحرب ثأره. وهذا، لأن أولياء الله هم الذين آمنوا به ووالوه، فأحبوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض، ورضوا بما يرضى، وسخطوا بما يسخط، وأمروا بما يأمر، ونهوا عما نهى، وأعطوا لمن يحب أن يعطى، ومنعوا من يحب أن يمنع.
والولاية ضد العداوة. وأصل الولاية المحبة والقرب. وأصل العداوة البغض والبعد.
وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم، وأفضلهم محمد ﷺ، خاتم النبيين، وإمام المتقين، الذي بعثه الله بأفضل كتبه، وشرع له أفضل شرائع دينه، وجعله الفارق بين أوليائه، وأعدائه، فلا يكون وليا لله إلا من آمن به، وبما جاء به، واتبعه ظاهرا وباطنا. ومن ادعى محبة الله وولايته، وهو لم يتبعه، فليس من أولياء الله، بل من خالفه كان من أعداء الله، وأولياء الشيطان. وإن كان كثير من الناس يظنون في أنفسهم أو في غيرهم أنهم من أولياء الله، ولا يكونون من أوليائه. فاليهود والنصارى يدعون أنهم من أولياء الله وأحباؤه. قال تعالى(٧) :﴿قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق..﴾ الآية. وكان مشركو العرب يدعون أنهم أهل الله، لسكناهم مكة، ومجاورتهم البيت، فأنزل تعالى(٨) :﴿وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون﴾. وكما أن من الكفار من يدعي أنه ولي الله، وليس وليا لله، بل عدو له، فكذلك من المنافقين الذين يظهرون الإسلام، يقرون في الظاهر بالشهادتين، ويعتقدون في الباطن ما يناقض ذلك، مثل ألا يقروا باطنا برسالته عليه السلام، وإنما كان ملكا مطاعا، ساس الناس، برأيه، من جنس غيره من الملوك. أو يقولون إنه رسول الله إلى الأميين خاصة. أو يقولون إنه مرسل إلى عامة الخلق، وأن لله أولياء خاصة لم يرسل إليهم، ولا يحتاجون إليه، بل لهم طريق إلى الله من غير جهته، كما كان الخضر مع موسى. أو أنهم يأخذون عن الله كل ما يحتاجون إليه، وينتفعون به من غير واسطة، أو أنه مرسل بالشرائع الظاهرة، وهم موافقون له فيها. وأما الحقائق الباطنة، فلم يرسل بها، أو لم يكن يعرفها. أو هم أعرف بها منه، أو يعرفونها مثل ما يعرفها من غير طريقته. فهؤلاء كلهم كفار، مع أنهم يعتقدون في طائفتهم أنهم أولياء الله. وإنما أولياء الله : الذين وصفهم تعالى بولايته بقوله(٩) :﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾.
ولا بد في الإيمان من أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وأن محمدا ﷺ، خاتم النبيين، مرسل إلى جميع الثقلين الإنس والجن. فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن، فضلا عن أن يكون من أولياء الله المتقين ومن آمن ببعض ما جاء به، وكفر ببعض، فهو كافر ليس بمؤمن.
ومن الإيمان به، الإيمان بأنه الواسطة بين الله وبين خلقه، في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وحلاله وحرامه. فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه ورسوله ﷺ. فمن اعتقد أن لأحد من الأولياء طريقا إلى الله من غير متابعة محمد ﷺ، فهو كافر من أولياء الشيطان.
وأما خلق الله تعالى للخلق، ورزقه إياهم، وإجابته لدعائهم، وهدايته لقلوبهم، ونصرهم على أعدائهم، وغير ذلك من جلب المنافع، ودفع المضار، فهذا لله وحده، يفعله بما يشاء من الأسباب، لا يدخل في مثل هذا وساطة الرسل.
ثم لو بلغ الرجل في الزهد والعبادة والعلم ما بلغ، ولم يؤمن بجميع ما جاء به محمد ﷺ، فليس بمؤمن، ولا ولي لله تعالى. كالأحبار والرهبان من علماء اليهود والنصارى وعبّادهم، وكذلك المنتسبون إلى العلم والعبادة من مشركي العرب والترك والهند وغيرهم، ممن كان من حكماء الهند والترك، وله علم أو زهد وعبادة في دينه، وليس مؤمنا بجميع ما جاء به، فهو كافر، عدو لله، وإن ظن طائفة أنه ولي الله. كما كان حكماء الفرس من المجوس كفارا مجوسا، وكذلك حكماء اليونان مثل أرسطو وأمثاله، كانوا مشركين، يعبدون الأصنام والكواكب. وفي أصناف المشركين من هذه الطوائف من له اجتهاد في العلم والزهد والعبادة، ولكن ليس بمؤمن بالرسل، ولا يصدقهم فيما أخبروا به، ولا يطيعهم فيما أمروا، فهؤلاء ليسوا بمؤمنين، ولا أولياء الله، وهؤلاء تقترن بهم الشياطين، وتنزل عليهم، فيكاشفون الناس ببعض الأمور، لهم تصرفات خارقة من جنس السحر، وهم من جنس الكهان والسحرة / الذين تنزل عليهم الشياطين. قال تعالى(١٠) :﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون﴾. وهؤلاء جميعهم الذين ينتسبون إلى المكاشفات، وخوارق العادات، إذا لم يكونوا متبعين للرسل، فلا بد أن يكذبوا، وتكذبهم شياطينهم، ولا بد أن يكون في أعمالهم ما هو إثم وفجور، مثل نوع من الشرك أو الظلم أو الفواحش أو الغلو أو البدع في العبادة، ولهذا تنزلت عليهم الشياطين، واقترنت بهم، فصاروا من أولياء الشيطان، لا من أولياء الرحمن.
ومن الناس من يكون فيه إيمان، وفيه شعبة من نفاق، كما في ( الصحيحين ) (١١) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ، أنه قال :" آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان " وفي ( صحيح مسلم ) (١٢) :" وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ".
وإذ كان أولياء الله هم ( المؤمنون المتقون )، فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى، فمن كان أكمل إيمانا وتقوى، كان أكمل ولاية لله. فالناس متفاضلون في ولاية الله عز وجل، بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك يتفاضلون في عداوة الله، بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق.
وأولياء الله على طبقتين : سابقون ومقربون وأصحاب يمين مقتصدون، ذكرهم الله في عدة مواضع من كتابه العزيز. فالأبرار أصحاب اليمين، هم المتقربون إلى الله بالفرائض، يفعلون ما أوجب الله عليهم، ويتركون ما حرم الله عليهم، ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات، ولا الكفّ عن فضول المباحات. وأما السابقون المقربون، فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، ففعلوا / الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، فلما تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم، أحبهم الرب حبا تاما، كما قال تعالى(١٣) :﴿ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه﴾ يعني الحب المطلق.
ثم إذا كان العبد لا يكون وليا لله إلا إذا كان مؤمنا تقيا لهذه الآية فمعلوم أن أحدا من الكفار والمنافقين لا يكون وليا لله. وكذلك من لا يصح إيمانه وعبادته، وإن قدر أنه لا إثم عليه، مثل أطفال الكفار، ومن لم تبلغه الدعوة، وإن قيل إنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم رسولا، فلا يكونون من أولياء الله، إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين. فمن يتقرب إلى الله، لا بفعل الحسنات ولا بفعل السيئات، لم يكن من أولياء الله.
وكذلك المجانين والأطفال، فإن النبي ﷺ قال(١٤) :" رفع القلم عن ثلاثة : عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ ". وهذا الحديث قد رواه أهل ( السنن ) من حديث عائشة رضي الله عنها، واتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول. ولكن الصبي المميز تصح عباداته، ويثاب عليها عند جمهور العلماء، وأما المجنون الذي رفع عنه القلم، فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء، ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من العبادات، بل لا يصلح هو، عند عامة العقلاء، لأمور الدنيا. كالتجارة والصناعة. فلا يصلح أن يكون بزازا ولا عطارا ولا حدادا ولا نجارا، ولا تصح عقوده باتفاق العلماء. فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته، ولا غير ذلك من أقواله، بل أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي، ولا ثواب ولا عقاب. بخلاف الصبي / المميز فإن له أقوالا معتبرة في مواضع، بالنص والإجماع، وفي مواضع فيها نزاع وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل، وامتنع أن يكون وليا لله، فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه ولي لله، لاسيما أن تكون حجته على ذلك إما مكاشفة سمعها منه، أو نوعا من تصرف، مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات أو صرع. فإنه قد علم أن الكفار والمنافقين من المشركين وأهل الكتاب لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية كالكهان والسحرة وعبّاد المشركين وأهل الكتاب، فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليا لله، إن لم يعلم ما يناقض ولاية الله، فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله ؟ مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب اتباع النبي ﷺ، ظاهرا وباطنا، بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر، دون الحقيقة الباطنة، أو يعتقد أن لأولياء الله طريقا إلى الله غير طريق الأنبياء عليهم الصلاة والس
١ [٩ / التوبة / ٢٠ و ٢١]..
٢ [٤١ / فصلت / ٣٠]..
٣ [٥٧ / الحديد/ ١٢]..
٤ أخرجه ابن ماجة في: ٣٦- كتاب الفتن، ١٦- باب من ترجى له السلامة من الفتن، حديث رقم ٣٩٨٩ (طبعتنا)..
٥ أخرجه البخاري في: ٨١- كتاب الرقاق، ٣٨- باب التواضع، حديث رقم ٢٤٤٠..
٦ هذا الحديث لم أهتد إليه..
٧ [٥ / المائدة / ١٨]..
٨ [٨ / الأنفال / ٣٤]..
٩ [١٠/ يونس / ٦٢ و ٦٣]..
١٠ [٢٦ / الشعراء / ٢٢١ ـ ٢٢٣]..
١١ أخرجه البخاري في: ٢- كتاب الإيمان، ٢٤- باب علامة المنافق، حديث رقم ٣١. ومسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث رقم ١٠٧و١٠٨ (طبعتنا)..
١٢ أخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث ١٠٩-١١٠ (طبعتنا)..
١٣ أخرجه البخاري في: ٨١- كتاب الرقاق، ٣٨- باب التواضع، حديث ٢٤٤٠..
١٤ أخرجه البخاري في: ٨٦- كتاب الحدود، ٢٢- باب لا يرجم المجنون والمجنونة، وقال علي لعمر: أما علمت أن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يدرك وعن النائم حتى يستيقظ (في ترجمة الباب).
.
٢ [٤١ / فصلت / ٣٠]..
٣ [٥٧ / الحديد/ ١٢]..
٤ أخرجه ابن ماجة في: ٣٦- كتاب الفتن، ١٦- باب من ترجى له السلامة من الفتن، حديث رقم ٣٩٨٩ (طبعتنا)..
٥ أخرجه البخاري في: ٨١- كتاب الرقاق، ٣٨- باب التواضع، حديث رقم ٢٤٤٠..
٦ هذا الحديث لم أهتد إليه..
٧ [٥ / المائدة / ١٨]..
٨ [٨ / الأنفال / ٣٤]..
٩ [١٠/ يونس / ٦٢ و ٦٣]..
١٠ [٢٦ / الشعراء / ٢٢١ ـ ٢٢٣]..
١١ أخرجه البخاري في: ٢- كتاب الإيمان، ٢٤- باب علامة المنافق، حديث رقم ٣١. ومسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث رقم ١٠٧و١٠٨ (طبعتنا)..
١٢ أخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث ١٠٩-١١٠ (طبعتنا)..
١٣ أخرجه البخاري في: ٨١- كتاب الرقاق، ٣٨- باب التواضع، حديث ٢٤٤٠..
١٤ أخرجه البخاري في: ٨٦- كتاب الحدود، ٢٢- باب لا يرجم المجنون والمجنونة، وقال علي لعمر: أما علمت أن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يدرك وعن النائم حتى يستيقظ (في ترجمة الباب).
.