الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّ الْعِزَّةَ﴾ : العامَّةُ على كسرِ " إنَّ " استئنافاً وهو مُشْعِرٌ بالعِلِّيَّة. وقيل : هو جوابُ سؤالٍ مقدرٍ كأنَّ قائلاً قال : لِمَ لا يُحْزِنُه قولُهم، وهو ممَّا يُحْزِن ؟ فأجيب بقوله :﴿إِنَّ الْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً﴾، ليس لهم منها شيءٌ فكيف تبالي بهم وبقولهم ؟.
والوقفُ على قولِه :﴿قَوْلُهُمْ﴾ ينبغي أن يُعْتمد ويُقْصَدَ ثم يُبتدأ بقوله :" إن العزَّة " وإن كان من المستحيلِ أن يتوهَّم أحد أن هذا مِنْ مقولهم، إلا مَنْ لا يُعْتَبَرُ بفهمه.
وقرأ أبو حيوة :" أنَّ العزة " بفتح " أنَّ ". وفيها تخريجان، أحدهما : أنها على حَذْفِ لام العلة، أي : لا يَحْزنك قولهم لأجل أن العزة لله جميعاً. والثاني : أنَّ " أنَّ " وما في حيِّزها بدل من " قولهم " كأنه قيل : ولا يَحْزُنك أن العَّزة لله، وكيف يَظْهَرُ هذا التوجيهُ أو يجوز القول به، وكيف يَنْهى رسولَ الله ﷺ عن ذلك في المعنى وهو لم يَتَعاطَ شيئاً من تلك الأسباب، وأيضاً فمِنْ أيِّ قبيلٍ الإِبدالُ هذا ؟ قال الزمخشري :" ومَنْ جعله بدلاً من " قولهم " ثم أنكره فالمُنْكَر هو تخريجُه لا ما أنكره من القراءة به "، يعني أن إنكارَه للقراءة مُنْكَرٌ ؛ لأنَّ معناها صحيحٌ على ما ذَكَرْتُ لك مِنَ التعليلِ، وإنما المُنْكَر هذا التخريجُ.
وقد أنكر جماعةٌ هذه القراءةَ ونَسَبُوها للغلَط ولأكثر منه. قال القاضي :" فَتْحُها شاذٌّ يُقارِبُ الكفر، وإذا كُسِرت كان استئنافاً وهذا يدلُّ على فضيلة علم الإِعراب ". وقال ابن قتيبة :" لا يجوز فتحُ " إنَّ " في هذا الموضعِ وهو كفرٌ وغلوٌّ "، وقال الشيخ :" وإنما قالا ذلك بناءً منهما على أن " أنَّ " معمولةٌ ل " قولهم ". قلت : كيف تكون معمولةً ل " قولهم " وهي واجبةُ الكسرِ بعد القول إذا حُكِيَتْ به، كيف يُتَوَهَّم ذلك ؟ وكما لا يُتَوَهَّم هذا المعنى مع كسرِها لا يُتَوَهَّم أيضاً مع فتحها ما دام له وجهٌ صحيح.
و " جميعاً " حال من " العِزَّة " ويجوز أن يكون توكيداً ولم يؤنَّثْ بالتاءِ، لأنَّ فعيلاً يستوي فيه المذكر والمؤنث لشبهه بالمصادرِ، وقد تقدَّم تحريرُه في قوله :﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦].
وقوله :﴿قَوْلُهُمْ﴾، قيل : حُذِفَتْ صفتُه لِفَهْم المعنى، إذ التقديرُ : ولا يَحْزنك قولُهم الدالُّ على تكذيبك، وحَذْفُ الصفةِ وإبقاءُ الموصوفِ قليلٌ بخلافِ عكسِه. وقيل : بل هو عامٌّ أُريد به الخاص.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى