اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ وههنا تمَّ الكلام، واعلم أنَّ الله لمَّا حكى عن الكُفار شبهاتهم المتقدمة، وأجاب عنها عدلُوا إلى طريقٍ آخر، وهو أنَّهُم هدَّدُوه، وخوَّفُوه بأنهم أصحاب أموالٍ وأتباع ؛ فنسعى في قهرك، وفي إبطالِ أمرك، فأجاب - تعالى - عن هذا الطريق بقوله :﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾.
فإن قيل : كيف آمنهُ من ذلك، ولم يزل خائفاً حتى هاجر، ثم بعد ذلك يخاف حالاً بعد حالٍ.
فالجواب : أنَّ الله وعدهُ بالنَّصر والظَّفر مطلقاً، والوقت ما كان معيَّناً، فهو في كُلِّ وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقتُ المعيَّنُ ذلك الوقت ؛ فحينئذٍ يحصل الانكسارُ في هذا الوقت، وقوله :" قَوْلهُم " قيل : حذفت صفته ؛ لفهم المعنى، إذا التقدير : ولا يحزنك قولهم الدَّال على تكذيبك، وحذف الصِّفة، وإبقاء الموصوف قليلٌ، بخلاف عكسه.
وقيل : بل هو عامٌّ أريد به الخاصُّ.
ثم ابتدأ فقال :﴿إِنَّ العزة للَّهِ﴾ العامَّةُ على كسر " إنَّ "، استئنافاً، وهو مُشْعِرٌ بالعلِّيَّة.
وقيل : هو جوابُ سؤال مقدَّر ؛ كأنَّ قائلاً قال : لِمَ لا يُحْزِنُه قولهم، وهو ممَّا يُحْزِن ؟ فأجيب بقوله :﴿إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾، ليس لهم منها شيءٌ، فكيف تبالي بقولهم ؟
والوقف على قوله :" قولهم " ينبغي أن يُعتمد، ثم يبتدأ بقوله :" إنَّ العزَّة " وإن كان من المستحيل أن يتوهَّم أحَدٌ أنَّ هذا من مقولهم، إلاَّ من لا يعتبرُ بفهمه، وقرأ أبو(١) حيوة " أنَّ العزَّة " بفتح " أنَّ " وفيها تخريجان :
أحدهما : أنَّها على حذف لام العلَّة، أي : لا يحزنك قولهم ؛ لأجل أنَّ العزة لله جميعاً.
الثاني : أنَّ " إنَّ " وما في حيِّزها بدلٌ من " قولهم " كأنَّه قيل : ولا يحزُنك أنَّ العزَّة لله، وكيف يظهرُ هذا التَّوجيهُ، أو يجوز القولُ به، وكيف ينهى رسول الله ﷺ عن ذلك في المعنى، وهو لمْ يتعاطَ شيئاً من تلك الأسباب ؟ وأيضاً ؛ فمنْ أيِّ قبيلٍ الإبدالُ هذا ؟ قال الزمخشريُّ :" ومنْ جعله بدلاً من " قولهم " ثم أنكره، فالمنكر هو تخريجه، لا ما أنكره من القراءة به ". يعني : أنَّ إنكارهُ للقراءة منكرٌ ؛ لأنَّ معناها صحيحٌ على ما ذكر من التَّعليل، وإنَّما المنكر هذا التَّخريجُ، وقد أنكر جماعةٌ هذه القراءة، ونسبُوها للغلط ولأكثر منه.
قال القاضي :" فتحُها شاذٌّ يقاربُ الكفر، وإذا كسرت كان استئنافاً، وهذا يدلُّ على فضيلة علم الإعراب ".
وقال ابن قتيبة : لا يجوز فتح " إنَّ " في هذا الموضع وهو كفرٌ وغلوٌّ.
قال أبو حيَّان : وإنَّما قالا ذلك بناءً منهما على أنَّ " أنَّ " معمولةٌ ل " قولهم ".
قال شهاب الدين كيف تكون معمولة ل " قَوْلهُم " وهي واجبةُ الكسر بعد القول إذا حكيت به، فكيف يتوهَّم ذلك ؟ وكما لا يتوهَّم هذا المعنى مع كسرها، لا يتوهَّم أيضاً مع فتحها ما دام له وجهٌ صحيحٌ.
و " جَمِيعاً " حالٌ من العِزَّة، ويجوز أن يكون توكيداً ولمْ يُؤنَّثْ بالتَّاء ؛ لأنَّ فعيلاً يستوي فيه المذكر والمؤنَّثُ، لشبهه بالمصادر، وقد تقدَّم تحريره في قوله :﴿إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين﴾ [الأعراف: ٥٦].

فصل


قيل : المعنى : إنَّ جميع العزَّة والقدرة لله - تعالى -، يعطي ما يشاء لعباده، والغرضُ منه : أنه لا يعطي الكفَّار قدرة عليه، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو أعز منهم، ونظيره :﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١].
قال الأصمُّ : المراد : أن المشركين يتعزَّزُون بكثرة خدمهم وأموالهم، ويخوفونك بها، وتلك الأشياء كلها لله - تعالى -، فهو - تعالى - قادرٌ على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء، وينصرك، وينقل أموالهم وديارهم إليك.
فإن قيل : قوله :﴿إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ كالمُضادَّة لقوله :﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
فالجواب : لا مضادَّة ؛ لأنَّ عزَّة الرسول والمؤمنين كلها بالله، فهي لله.
﴿هُوَ السميع العليم﴾ أي : يسمع ما يقولون، ويعلمُ ما يعزمون، فيُكافئهم على ذلك.
١ ينظر: الكشاف ٢/٣٥٧، المحرر الوجيز ٣/١٢٩، البحر المحيط ٥/١٧٤، الدر المصون ٤/٥٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى