اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل﴾ الآية.
لمَّا ذكر أنَّ العزة لله جميعاً، احتجَّ عليه بهذه الآية، وانظر إلى فصاحتهم، حيث حذف من كل جملةٍ ما ثبت في الأخرى ؛ وذلك أنَّه ذكر علَّة جعل الليل لنا، وهي قوله :" لِتَسْكُنُوا " وحذفها من جعل النهار، وذكر صفة النَّهار، وهي قوله :" مُبْصِراً " وحذفها من الليل، لدلالة المقابل عليه، والتقدير : هو الذي جعل لكم الليل مُظْلماً لتسْكُنُوا فيه، والنهار مُبْصِراً لتتحرَّكُوا فيه لمعاشكم، فحذف " مُظْلماً " لدلالة " مُبْصِراً " عليه، وحذف " لتتحرَّكُوا " لدلالة " لتسكنوا " وهذا أفصحُ كلامٍ.
وقوله :" مُبْصِراً " أسند الإبصارَ إلى الظَّرف مجازاً كقولهم :" نهارُهُ صائم، وليله قائم ونائم ".
قال :[ الطويل ]
. . . *** ونِمْتُ وما لَيْلُ المطِيِّ بِنَائِمِ(١)
وقال قطرب : يقال : أظلم اللَّيْلُ : صار ذا ظلمة، وأضاء النَّهار : صار ذا ضياء ؛ فيكون هذا من باب النسب ؛ كقولهم : لابنُ وتامرٌ، وقوله - تعالى - :﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، إلاَّ أنَّ ذلك إنما جاء في الثلاثيِّ، وفي " فعَّال " بالتضعيف عند بعضهم في قوله - تعالى - :﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] في أحد الأوجه.
ثم قال :﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي : يتدبَّرُون ما يسمعُون، ويعتَبِرُون.
فإن قيل : قوله :﴿جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ يدل على أنَّه - تعالى - ما جعلهُ إلا لهذا الوجه، وقوله ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ﴾ يدلُّ على أنَّه - تعالى - أراد بتخليقِ الليل والنهار أنواعاً كثيرة من الدلائل.
فالجواب : أن قوله - تعالى - :" لِتسكُنوا " لا يدلُّ على أنَّه لا حكمة فيه إلاَّ ذلك، بل ذلك يقتضي حصول تلك الحكمة.
١ عجز بيت لجرير وصدره:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ***...
ينظر: ديوانه ٥٥٣ والكتاب ١/٨٠ والمقتضب ٣/١٠٥ والمحتسب ٢/١٨٤ وأمالي ابن الشجري ١/٣٦ ومجاز القرآن ١/٢٧٩ والخزانة ١/٤٦٥ والإنصاف ١/٤٣ والقرطبي ٨/٢٤٠ والبحر ٥/١٧٥ والإيضاح ٣٠١، والدر المصون ٤/٥٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى