التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
والتأويل (١): وما يتبع الذين يدعون شركاء من دون الله إلا الظن، أي: يتبعون الظن ويعملون به، فيكون قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ مكررًا على قوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ﴾ و (ما) و (إن) الخفيفة جحدان معناهما واحد، ومثاله من الكلام: ما يأكل الذي يغصب ويظلم الناس ويأخذ أموالهم، إن يأكل إلا النار، فيكون قوله: إن يأكل، توكيدًا لقوله: ما يأكل، ومثل هذا من التكرير قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] النحل: ١١٠]، فكرر قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ [على قوله] (٢) ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ﴾ ولو لم يكرر الآخر لكان في الأول كفاية، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يريد: ظنهم أنها تشفع لهم يوم القيامة. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ قال ابن عباس: يقولون ما لا يكون (٣)، وذكرنا معنى الخرص في سورة الأنعام عند قوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (٤).
٦٧ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ﴾ أي خلق، وذكرنا معنى الجعل عند قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ (٥) [المائدة: ١٠٣].
(١) ساقط من (ى).
(٢) ساقط من (ى).
(٣) "تنوير المقباس" ص ٢١٦ بلفظ: يكذبون للسفلة، وفي كتاب "غريب القرآن" لابن عباس: (يخرصون) يكذبون بلغة هذيل. وانظر: "زاد المسير" ٤/ ٤٦، وفي "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٢٠٤: (يخرصون) يحدسون ويحزرون اهـ. وبكلا المعنيين جاءت اللغة كما في "لسان العرب" (خرص) ٢/ ١١٣٣.
(٤) من الآية ١٤٨.
(٥) قال في هذا الموضع: وأما (جعل) فلها أحوال منها: جعل: صير، ومنها جعل: أوجب، ومنها جعل: خلق، ومنها جعل: صلة لما بعده، مثل: جعل يعرفه، نحو طفق وأنشأ وأقبل، كل منها صلة لما بعده من الفعل.
وقوله تعالي: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾، قال ابن عباس: يقول جعلت الليل راحة لكم لتسكنوا فيه مع أزواجكم وأولادكم (١).
وقال أهل المعاني: جعل الليل ليزول التعب والكلال بالسكون فيه، وجعل النهار مبصرًا: أي: مضيئًا لتهتدوا به في حوائجكم بالإبصار، والمبصر الذي يبصر، والنهار يبصر فيه وإنما جعله مبصرًا على طريق استعارة صفة الشيء لسببه للمبالغة (٢)، كما قال جرير:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى (٣)ونمت وما ليل المطي بنائم (٤)
وقال رؤبة:
فنام ليلي وتجلى همي (٥)
ومثله قوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وذكرنا الكلام هناك بأبسط من هذا (٦).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ يريد: يسمعون
(١) "تنوير المقباس" ص ٢١٦ بمعناه مختصرًا.
(٢) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وقد ذكره من غير نسبة الرازي في "تفسيره" ١٧/ ١٣١.
(٣) في (خ) و (ز): (بالسرى).
(٤) "ديوان جرير" ص ٩٩٣، "خزانة الأدب" ١/ ٤٦٥، "كتاب سيبويه" ١/ ١٦٠.
(٥) البيت في "ديوان رؤبة" ص ١٤٢، وفيه: وتقضى همي.
(٦) قال في هذا الموضع: قال الفراء: جعل العصوف تابعًا لليوم في إغوائه، وإنما العصوف للرياح، وذلك جائز على وجهين، أحدهما: أن العصوف وإن كان للريح فإن اليوم قد يوصف به؛ لأن الريح تكون فيه، وقال أبو عبيدة: العرب تفعل ذلك في الظرف، قال الفراء: الوجه الآخر: أن يريد: في يوم عاصف الريح، فيحذف الريح؛ لأنها قد ذكرت في أول الكلام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى