مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ثم بين تعالى أن موسى عليه السلام لما أمرهم بذلك قبلوا قوله :﴿فقالوا على الله توكلنا﴾ أي توكلنا عليه، ولا نلتفت إلى أحد سواه، ثم لما فعلوا ذلك اشتغلوا بالدعاء، فطلبوا من الله تعالى شيئين : أحدهما : أن قالوا :﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ وفيه وجوه : الأول : أن المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا لوقع في قلوبهم أنا لو كنا على الحق لما سلطتهم علينا، فيصير ذلك شبهة قوية في إصرارهم على الكفر فيصير تسليطهم علينا فتنة لهم. الثاني : أنك لو سلطتهم علينا لاستوجبوا العقاب الشديد في الآخرة وذلك يكون فتنة لهم. الثالث :﴿لا تجعلنا فتنة﴾ أي موضع فتنة لهم، أي موضع عذاب لهم. الرابع : أن يكون المراد من الفتنة المفتون، لأن إطلاق لفظ المصدر على المفعول جائز، كالخلق بمعنى المخلوق، والتكوين بمعنى المكون، والمعنى : لا تجعلنا مفتونين، أي لا تمكنهم من أن يحملونا بالظلم والقهر على أن ننصرف عن هذا الدين الحق الذي قبلناه، وهذا التأويل متأكد بما ذكره الله تعالى قبل هذه الآية وهو قوله ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم﴾