زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ قال المفسرون : لما أرسل موسى، أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها، ومنعوا من الصلاة، وكانوا لا يصلون إلا في الكنائس ؛ فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلون فيها خوفا من فرعون. و ﴿تبوآ﴾ معناه : اتخذا، وقد شرحناه في [الأعراف: ٧٤]. وفي المراد بمصر قولان :
أحدهما : أنه البلد المعروف بمصر، قاله الضحاك. والثاني : أنه الإسكندرية، قاله مجاهد. وفي البيوت قولان : أحدهما : أنها المساجد، قاله الضحاك، والثاني : القصور، قاله مجاهد. وفي قوله :﴿وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أربعة أقوال :
أحدها : اجعلوها مساجد، رواه مجاهد، وعكرمة، والضحاك عن ابن عباس، وبه قال النخعي، وابن زيد. وقد ذكرنا أن فرعون أمر بهدم مساجدهم، فقيل لهم : اجعلوا بيوتكم قبلة بدلا من المساجد.
والثاني : اجعلوها قبل القبلة، رواه العوفي عن ابن عباس. وروى الضحاك عن ابن عباس، قال : قبل مكة. وقال مجاهد : أمروا أن يجعلوها مستقبلة الكعبة، وبه قال مقاتل، وقتادة، والفراء.
والثالث : اجعلوها يقابل بعضها بعضا، وهو مروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال سعيد بن جبير.
والرابع : واجعلوا بيوتكم التي بالشام قبلة لكم في الصلاة، فهي قبلة اليهود إلى اليوم، قاله ابن بحر.
فإن قيل : البيوت جمع، فكيف قال " قبلة " على التوحيد ؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال : من قال : المراد بالقبلة الكعبة، قال : وحدت القبلة لتوحيد الكعبة. قال : ويجوز أن يكون أراد : اجعلوا بيوتكم قبلا، فاكتفى بالواحد عن الجمع، كما قال العباس بن مرداس :
فقلنا أسلموا إنا أخوكمفقد برئت من الإحن الصدور
يريد : إنا إخوتكم. ويجوز أن يكون وحد " قبلة " لأنه أجراها مجرى المصدر، فيكون المعنى : واجعلوا بيوتكم إقبالا على الله، وقصدا لما كنتم تستعملونه في المساجد. ويجوز أن يكون وحدها، والمعنى : واجعلوا بيوتكم شيئا قبلة، ومكانا قبلة، ومحلة قبلة.
قوله تعالى :﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ قال ابن عباس : أتموا الصلاة ﴿وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنت يا محمد. قال سعيد بن جبير : بشرهم بالنصر في الدنيا، وبالجنة في الآخرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى