روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
وقوله جل شأنه :﴿فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ تهكم به وتخييب له وحسم لأطماعه بالمرة، والمراد فاليوم نخرجك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ونجعلك طافياً ملابساً ببدنك عارياً عن الروح إلا أنه عبر عن ذلك بالتنجية مجازاً، وجعل الجار والمجرور في موضع الحال من ضمير المخاطب لذلك مع ما فيه من التلويح بأن مراده بالإيمان هو النجاة، وقيل : معنى الحال عارياً عن اللباس أو تام الأعضاء كاملها.
وجعل بعض الأفاضل الكلام على التجريد، وجوز أن يكون الباء زائدة وبدنك بدل بعض من ضمير المخاطب كأنه قيل : ننجي بدنك، وجعل الباء للآلة ليكون على وزان قولك أخذته بيدك ونظرته بعينك إيذاناً بحصول هذا المطلوب البعيد التناول وجه لكنه غير وجيه كما لا يخفى، وقيل : التنجية الإلقاء على النجوة وهي المكان المرتفع، قيل : وسمي به لنجاته عن السيل، وإلى هذا ذهب يونس بن حبيب النحوي، فقد أخرج ابن الأنباري. وأبو الشيخ عنه أنه قال : المعنى نجعلك على نجوة من الأرض كي يراك بنو إسرائيل فيعرفوا أنك قدمت، وجاء تفسير البدن بالدرع، وروي ذلك عن محمد بن كعب. وأبي، وكانت له درع من ذهب يعرف بها، وفي رواية أنها كانت من لؤلؤ.
وأخرج ابن أبي حاتم. وأبو الشيخ عن أبي جهضم موسى بن سالم أنه كان لفرعون شيء يلبسه يقال له البدن يتلألأ، وقرأ يعقوب ﴿نُنَجّيكَ﴾ من باب الأفعال وهو بمعنى التفعيل بمعنييه السابقين، وأخرج ابن الأنباري عن محمد بن السميقع اليماني. ويزيد البربري أنهما قرآ ﴿*ننحيك﴾ بالحاء المهملة ونسبت إلى أبي بن كعب. وأبي السمال أي نجعلك في ناحية ونلقيك على الساحل. وقرأ أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ﴿*بأبدانك﴾ على صيغة الجمع بجعل كل عضو بمنزلة البدن فأطلق الكل على الجزء مجازاً وعلى هذا جمع الإجرام في قوله
: وكم موطن لولاي طحت كما هوى. . . بإجرامه من قلة النيق منهوي
أو بإرادة دروعك بناءً على أن المخذول كان لابساً درعاً على درع. وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ ﴿*بندائك﴾ أي بدعائك ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً﴾ أي لتكون لمن يأتي بعدك من الأمم إذا سمعوا حال أمرك ممن شاهد حالك وما عراك عبرة ونكالاً من الطغيان أو حجة تدلهم على أن الإنسان وإن بلغ الغاية القصوى من عظم الشأن وعلو الكبرياء وقوة السلطان فهو مملوك مقهور بعيد عن مظان الألوهية والربوبية، وقيل : المراد بمن خلفه من بقي بعده من بني إسرائيل، أي لتكون لهم علامة على صدق موسى عليه السلام إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خيل إليهم أنه لا يهلك فكذبوا لذلك خبر موسى عليه السلام بهلاكه حتى عاينوه على ممرهم من الساحل أحمر قصيراً كأنه ثور وروي هذا عن مجاهد.
وقرىء ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ فعلاً ماضياً أي حل مكانك، ونسب إلى ابن السميقع. وأبي السمال أنهما أيضاً قرآ ﴿لِمَنْ * خَلَقَكَ﴾ بفتح اللام والقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر الآيات فإن إفراده سبحانه إياك بالإلقاء إلى الساحل دليل على أنه قصد منه جل شأنه لكشف تزويرك وإماطة الشبهات في أمرك وبرهان نير على كمال علمه وقدرته وحكمته وإرادته وهو معنى لا بأس به يصح أن توجه به الآية على القراءة المشهورة أيضاً. ذكر في النشر أن مما لا يوثق بنقله قراءة ابن السميقع. وأبي السمال ﴿*ننحيك﴾ بالحاء و ﴿لِمَنْ * خَلَقَكَ﴾ بالقاف، وفي تعليل تنجيته بما ذكر كما قاله بعض المحققين إيذان بأنها ليست لا عزازه أو لفائدة أخرى عائدة إليه بل لكمال الاستهانة به وتفضيحه على رؤوس الأشهاد وزيادة تفظيع حاله كمن يقتل ثم يجر جسده في الأسواق ويطرح جيفة في الميدان أو يدار برأسه في النواحي والبلدان، واللام الأولى متعلقة بالفعل قبلها والثانية بمحذوف وقع حالاً من ﴿ءايَةً﴾ أي كائنة لمن خلفك، وجاد الرد على هذا المحذوف على طرز ما أتى به في قوله :﴿آمنت أنه﴾ [يونس: ٩٠] الخ في اشتماله على المبالغة كما لا يخفى على من تفكر في الآية، وقد قرر فحوى المحكي بقوله سبحانه :﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مّنَ الناس عَنْ ءاياتنا لغافلون﴾ أي لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها، وهو اعتراض تذييلي جىء به عند الحكاية لذلك، ولهذه الآية وأشباهها وقع الإجماع على كفر المخذول وعدم قبول إيمانه، ويشهد لذلك أيضاً ما رواه ابن عدي. والطبراني من أنه ﷺ قال :«خلق الله تعالى يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمناً وخلق فرعون في بطن أمه كافراً » فهو من أهل النار المخلدين فيها بلا ريب وبذلك قال الشيخ الأكبر قدس سره في أول كتابه الفتوحات في الباب الثاني والستين منه حيث ذكر أن الذين خلذهم الله تعالى من العباد جعلهم طائفتين، طائفة لا تضرهم الذنوب التي وقعت منهم واليهم الإشارة بقوله تعالى :﴿والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً﴾ [البقرة: ٢٦٨] وهؤلاء لا تمسهم النار بما تاب الله تعالى عليه واستغفار الملأ الأعلى ودعائهم لهم.
وقسم الطائفة الأخرى إلى قسمين قسم أخرجهم من النار بالشفاعة وهم طائفة من المؤمنين وأهل التوحيد ماتوا ولم تكفر عنهم خطاياهم، وقسم آخر أبقاهم في النار وهم المجرمون خاصة الذين يقال لهم يوم القيامة :
﴿وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون﴾ [يس: ٥٩] ولهم يقال : أهل النار لأنهم الذين يعمرونها، وهم على أربع طواثف كلهم في النار لا يخرجون منها. الطائفة الأولى المتكبرون على الله تعالى كفرعون وأشباهه ممن ادعى الربوبية لنفسه ونفاها عن الله تعالى فقال :﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨] وقال :﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الاعلى﴾ [النازعات: ٢٤] يريد به ما في السماء غيري وكذلك نمروذ وغيره.
والثانية المشركون وهم الذين أثبتوا الله تعالى إلا أنهم جعلوا معه آلهة أخرى وقالوا :﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] والثالثة المعطلة وهم الذين نفوا إلا له جملة واحدة فلم يثبتوا للعالم الها أصلاً. والرابعة المنافقون وهم الذين أظهروا الإيمان للقهر الذي حكم عليهم وهم في نفوسهم على ما هم عليه من اعتقاد إحدى هذه الطوائف الثلاث فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل النار الذين لا يخرجون منها من الجن والانس انتهى. وهو صريح فيما قلنا إلا أنه ذهب في موضع آخر من الكتاب المذكور إلى خلافه فقال في الباب السابع والستين ومائة ما حاصله :
إن الله تعالى لما علم أنه قد طبع على كل قلب مظهر للجبروت والكبرياء وأن فرعون في نفسه أذل الاذلاء أمر موسى وهارون عليهما السلام أن يعاملاه بالرحمة واللين لمناسبة باطنه واستنزال ظاهره من جبروته وكبريائه فقال سبحانه :﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: ٤٤] ولعل وعسى من الله تعالى واجبتان فتذكر بما يقابله من اللين والمسكنة ما هو عليه في باطنه ليكون الظاهر والباطن على السواء فما زالت تلك الخميرة معه تعمل في باطنه مع الترجي الإلهي الواجب فيه وقوع المترجى ويتقوى حكمها إلى حين انقطاع يأسه من أتباعه وحال الغرق بينه وبين اطماعه لجأ إلى ما كان مستتراً في باطنه من الذلة والافتقار ليتحقق عند المؤمنين وقوع الرجاء الإلهي فقال :﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ [يونس: ٩٠] فرفع الاشكال من الاشكال كما قالت السحرة لما آمنت :﴿بِرَبّ العالمين رَبّ موسى وهارون﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] أي الذي يدعوان إليه فجاءت بذلك لدفع الارتياب ورفع الأشكال، وقوله :﴿وَأَنَاْ مِنَ المسلمين﴾ خطاب منه للحق تعالى لعلمه أنه سبحانه يسمعه ويراه فخاطبه الحق بلسان الغيب وسمعه آلآن أظهرت ما قد كنت تعلمه ﴿وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾ ل [يونس: ٩١] أتباعك، وما قال له وَأَنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فهي كلمة بشرى له عرفنا بها لنرجو رحمته مع إسرافنا وإجرامنا ثم قال سبحانه :﴿فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً﴾ يعني لتكون النجاة لمن يأتي بعدك آية أي علامة إذا قال ما قلته تكون له النجاة مثل ما كانت لك، وما في الآية أن بأس الآخرة لا يرتفع وأن إيمانه لم يقبل وإنما فيها أن بأس الدنيا لا يرتفع عمن نزل به إذا آمن في حال نزوله الأقوم يونس عليه السلام فقوله سبحانه :﴿فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ بمعنى أن العذاب لا يتعلق إلا بظاهرهك وقد أريت الخلق نجاته من العذاب فكان ابتداء الغرق عذاباً فصار الموت فيه شهادة خالصة بريئة لم يتخللها معصية فقبض على أفضل عمل وهو التلفظ بالإيمان كل ذلك حتى لا يقنط أحد من رحمة الله تعالى والأعمال بخواتيمها فلم يزل الإيمان بالله تعالى يجول في باطنه وقد حال الطابع الإلهي الذاتي في الخلق بين الكبرياء واللطائف الإنسانية فلم يدخلها قط كبرياء، وأما قوله تعالى :
﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] فكلام محقق في غاية الوضوح فإن النافع هو الله تعالى فما نفعهم إلا هو سبحانه، وقوله عز وجل :﴿سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] فيعنى بذلك الإيمان عند رؤية البأس الغير المعتاد، وقد قال تعالى :﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى * السموات والارض * طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] فغاية هذا الإيمان أن يكون كرهاً وقد أضافه الحق سبحانه إليه والكراهة محلها القلب والإيمان كذلك والله تعالى لا يأخذ العبد بالأعمال الشاقة عليه من حيث ما يجده من المشقة فيها بل يضاعف له فيها الأجر، وأما في هذا الموطن فالمشقة منه بعيدة بل جاء طوعاً في إيمانه وما عاش بعد ذلك بل قبض ولم يؤخر لئلا يرجع إلى ما كان عليه من الدعوى ولو قبض ركاب البحر الذين قال سبحانه فيهم :﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] عند نجاتهم لماتوا موحدين وقد حصلت لهم النجاة، ثم قوله تعالى في تتميم قصته هذه :﴿فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً﴾ على معنى قد ظهرت نجاتك آية أي علامة على حصول النجاة فغفل أكثر الناس عن هذه الآية فقضوا على المؤمن بالشقاء، وأما قوله تعالى :﴿فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ [هود: ٩٨] فليس فيه أنه يدخلها معهم بل قال جل وعلا :﴿أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦] ولم يقل أدخلوا فرعون وآله، ورحمة الله تعالى أوسع من أن لا يقبل إيمان المضطر وأي اضطرار أعظم من اضطرار فرعون في حال الغرق ؟ والله تبارك وتعالى يقول :﴿أَم مَّنْ * يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السوء﴾ [النمل: ٦٢] فقرن للمضطر إذ دعاه بالإجابة وكشف السوء عنه، وهذا آمن من لله تاعلى خالصاً وما دعاه في البقاء في الحياة الدنيا خوفاً من العوارض وأن يحال بينه وبين هذا الإخلاص الذي جاءه في هذه الحال فرجح جانب لقاء الله تعالى على البقاء بالتلفظ بالإيمان وجعل ذلك الغرق نكال الآخرة والأولى فلم يكن عذابه أكثر من غم الماء الاجاج وقبضه على أحسن صفة، وهذا هو الذي يعطيه ظاهر اللفظ وهو معنى قوله تعالى :﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يخشى﴾
[النازعات: ٢٦] يعني في أخذه نكال الآخرة والأولى.
وقدم سبحانه : ذكر الآخرة على الأولى ليعلم أن ذلك العذاب أعني عذاب الغرق هو نكال الآخرة وهذا هو ال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى