تفسير الشعراوي — الشعراوي

عن الكتاب
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿الر تلك آيات الكتاب المبين ( ١ )﴾
قد تعرضنا من قبل لفواتح السور(١) ؛ من أول سورة البقرة، وسورة آل عمران، وقلنا : إن فواتح بعض من سور القرآن تبدأ بحروف مقطعة ؛ ننطقها ونحن نقرؤها بأسماء الحروف، لا بمسميات الحروف.
فإن لكل حرف اسما ومسمى، واسم الحرف يعرفه الخاصة الذين يعرفون القراءة والكتابة، أما العامة الذين لا يعرفون القراءة أو الكتابة ؛ فهم يتكلمون بمسميات الحروف، ولا يعرفون أسماءها.
فإن الأمي إذا سئل أن يتهجى أي كلمة ينطقها، وأن يفصل حروفها نطقا : لما عرف، وسبب ذلك أنه لم يتعلم القراءة والكتابة، أما المتعلم فهو يعرف أسماء الحروف ومسمياتها.
ونحن نعلم أن القرآن قد نزل مسموعا، ولذلك أقول : إياك أن تقرأ كتاب الله إلا أن تكون قد سمعته أولا ؛ فإنك إذا قرأته قبل أن تسمعه فسيستوي عندك حين تقرأ في أول سورة البقرة :﴿الم ( ١ )﴾ [ البقرة ].
مثلما تقرأ في أول سورة الشرح :﴿ألم.. ( ١٩﴾ [ الشرح ]
أما حين تسمع القرآن فأنت تقرأ أول سورة البقرة كما سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبريل(٢) –عليه السلام- " ألف لام ميم "، وتقرأ أول سورة الشرح، " ألم "
وأقول ذلك لأن القرآن –كما نعلم- ليس كأي كتاب تقبل عليه لتقرأه من غير سماع، لا. بل هو كتاب تقرؤه بعد أن تسمعه وتصحح قراءتك على قارئ ؛ لتعرف كيف تنطق كل قول كريم، ثم من بعد ذلك لك أن تقرأ بعد أن تعرفت على كيفية القراءة ؛ لأن كل حرف في الكتاب الكريم موضوع بميزان(٣) وبقدر.
ونحن نعلم أيضا أن آيات القرآن منها آيات محكمات وأخر متشابهات(٤). والآيات المحكمات تضم الأحكام التي عليك أن تفعلها لتثاب عليها، وإن لم تفعلها تعاقب، وكل ما في الآيات المحكمات واضح.
أما الآيات المتشابهات إنما جاءت متشابهة(٥) لاختلاف الإدراك من إنسان لآخر، ومن مرحلة عمرية لأخرى، ومن مجتمع لآخر والإدراكات لها وسائل يتشابه فيها الناس، مثل : العين، والأذن، والأنف، واللسان، واليد.
ووسائل الإدراك هذه ؛ لها قوانين تحكمها :
فعينك يحكمها قانون إبصارك، الذي يمتد إلى أن تلتقي خطوط الأشعة عند بؤرة تمتنع رؤيتك عندها ؛ ولذلك تصغر الأشياء تدريجيا كلما ابتعدت عنها إلى أن تتلاشى من حدود رؤيتك.
وصوتك له قانون ؛ تحكمه ذبذبات الهواء التي تصل إلى أدوات السمع داخل أذنك.
وكذلك الشم له حدود ؛ لأنك لا تستطيع شم وردة موجودة في بلد بعيدة.
وكذلك العقل البشري له حدود يدرك بها، وقد علم الله كيف يدرك الإنسان الأمور، فلم يمنع تأمل وردة جميلة، لكنه أمر بغض البصر(٦) عند رؤية أي امرأة.
وهكذا يحدد لك الحق الحلال الذي تراه، ويحدد لك الحرام الذي يجب أن تمتنع عن رؤيته، وكذلك في العقل ؛ قد يفهم أمرا وقد لا يفهم أمرا آخر، وعدم فهمك لذلك الأمر هو لون من الفهم أيضا، وإن تساءلت كيف ؟
أنظر إلى موقف تلميذ في الإعدادية ؛ وجاء له أستاذه بتمرين هندسي(٧) مما يدرسه طلبة الجامعة ؛ هنا سيقول التلميذ الذكي لأستاذه : نحن لم نأخذ الأسس اللازمة لحل مثل هذا التمرين الهندسي، هذا القول يعني أن التلميذ قد فهم حدوده.
وهكذا يعلمنا الله الأدب في استخدام وسائل الإدراك ؛ فهناك أمر لك أن تفهمه ؛ وهناك أمر تسمعه من ربك وتطيعه، وليس لك أن تفهمه قبل تنفيذه ؛ لأنه فوق مستوى إدراكك.
ودائما أقول هذا المثل –ولله المثل الأعلى- إنك حين تنزل في فندق كبير، تجد أن لكل غرفة مفتاحا خاصا بها، لا يفتح أي غرفة أخرى، وفي كل دور من أدوار الفندق يوجد مفتاح يصلح لفتح كل الأدوار، ولا يفهم هذا الأمر إلا المتخصص في تصميم مثل تلك المفاتيح.
فما بالنا بكتاب الله تعالى، وهو الكتاب الجامع في تصميم مثل تلك المفاتيح.
فما بالنا بكتاب الله -تعالى- وهو الكتاب الجامع الذي يقول فيه الحق –تبارك وتعالى :﴿منه آيات محكمات(٨) هن أم الكتاب(٩) وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ(١٠) فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء(١١) الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ( ٧ )﴾ [ آل عمران ]
إذن : فهذا المتشابه يعتبره أهل الزيغ فرصة لتحقيق مأربهم(١٢)، وهو إبطال الدين بأي وسيلة وبأي طريقة، ويحاولون ممارسة التكبر على كتاب الله.
ولهؤلاء نقول : لقد أراد الله أن يكون بعض من سور الكتاب الكريم متبدئة بحروف تنطق بأسمائها لا بمسمياتها.
وقد أراد الحق –سبحانه- كذلك ليختبر العقول ؛ فكما أطلق -سبحانه- للعقل البشري التفكير في أمور كثيرة ؛ فهناك بعض من الأمور يخيب فيها التفكير، فلا يستطيع العقل إدراك الأشياء التي تفوق حدود عقله.
والحق –سبحانه وتعالى- يصنع للإنسان ابتلاءات في وسائل إدراكه ؛ وجعل لكل وسيلة إدراك حدودا، وشاء أن يأتي بالمتشابه ليختبر الإنسان، ويرى : ماذا يفعل المؤمن ؟
وقول الحق –سبحانه :
﴿وما يعلم تأويله(١٣) إلا الراسخون(١٤) في العلم.. ( ٧ )﴾ [ آل عمران ]
قد يفهم منه أنه عطف ؛ بمعنى أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله ؛ وبالتالي سيعلمون الناس ما ينتهون إليه من علم بالتأويل، ولكن تأول الراسخين في العلم هو قولهم :
﴿كل من عند ربنا.. ( ٧ )﴾ [ آل عمران ]
إذن : فنهاية تأويلهم : هو من عند ربنا، وقد آمنا به.
وجاء لنا قوله صلى الله عليه وسلم ليحل لنا إشكال المتشابه :
( ما تشابه منه فآمنوا به )(١٥).
لأن المتشابه من امتلاءات الإيمان.
والمثل الذي أضربه هنا هو أمره صلى الله عليه وسلم لنا أن نستلم(١٦) الحجر الأسود وأن نقبله(١٧)، وأن نرجم الحجر(١٨) الذي يمثل إبليس، وكلاهما حجر، لكننا نمتثل بالإيمان لما أمرنا به صلى الله عليه وسلم(١٩).
وأنت لو أقبلت على كل أمر بحكم عقلك، وأردت أن تعرف الحكمة وراء كل أمر، لعبدت عقلك، والحق -سبحانه- يريد أن تقبل على الأمور بحكمه هو –سبحانه.
وأنت إن قلت لواحد : إن الخمر تهري الكبد، ووضعت على كبده جهاز الموجات فوق الصوتية الذي يكشف صورة الكبد، ثم ناولت الرجل كأس خمر ؛ فرأى ما يفعله كأس الخمر في الكبد، وراعه(٢٠) ذلك ؛ فقال : والله لن أشربها أبدا.
هل هو يفعل ذلك لأنه مؤمن ؟ أم أنه ربط سلوكه بالتجربة ؟
لقد ربط سلوكه بالتجربة، وهو يختلف عن المؤمن الذي نفّذ تعاليم السماء، فامتنع عن الخمر لأن الله أمر بذلك، فلا يمكن أن نؤجل تعاليم السماء إلى أن تظهر لنا الحكمة منها.
إذن : فعلة المتشابه ؛ الإيمان به، وقد يكون للمتشابه حكمة ؛ لكنا لن نؤجل الإيمان حتى نعرف الحكمة.
وأقول دائما : يجب أن يعامل الإنسان إيمانه بربه معاملته لطبيبه، فالمريض يذهب إلى طبيبه ليعرض عليه شكواه من مرض يؤلمه ؛ ليصف الطبيب له الدواء، كذلك عمل عقلك ؛ عليه أن ينتهي عند عتبة إيمانك بالله.
ونجد من أقوال أهل المعرفة بالله من يقول : إن العقل كالمطية(٢١)، يوصلك إلى باب السلطان، لكنه لا يدخل معك.
إذن : فالذين يناقش في علل الأشياء هو من يرغب في الحديث مع مساو له في الحكمة، وهل يوجد مساو لله ؟
طبعا لا، لذلك خذ افتتاحيات السور التي جاءت بالحروف المقطعة كما جاءت، واختلافنا على معانيها يؤكد على أنها كنز لا ينفد من العطاء إلى أن تحل إن –شاء الله- من الله(٢٢).
ومن العجيب أن آيات القرآن كلها مبنية على الوصل، ففي آخر سورة هود نجد قول الحق –سبحانه :
﴿وما ربك بغافل عما تعملون ( ١٢٣ )﴾ [ هود ]
وكان من المفترض أن نقف عليها فننطق كلمة " تعملون " ساكنة النون، لكنها موصولة ب " بسم الله الرحمان الرحيم " ؛ لذلك جاءت النون مفتوحة.
وأيضا ما دامت الآيات مبنية على الوصل، كان من المفروض أن ننطق بدء سورة يوسف " ألف لام راء " لكن الرسول صلى الله عليه وسلم علمنا أن نقرأها " ألف لام راء " وننطقها ساكنة.
وها دليل على أنها كلمة مبنية على الوقف، ودليل على أن لله -سبحانه- حكمة في هذا وفي ذاك.
ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يراجع القرآن مرة كل رمضان مع جبريل –عليه السلام- وراجعه مرتين في رمضان الذي سبق وفاته صلى الله عليه وسلم(٢٣).
وهكذا وصلنا القرآن كما أنزله الحق -سبحانه- على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
وهنا يقول الحق :﴿الر تلك آيات الكتاب المبين ( ١ )﴾ [ يوسف ]
و " تلك " إشارة لما بعد [ الر ]، وهي آيات الكتاب.
أي : خذوا منها أن آيات القرآن مكونة من مثل هذه الحروف، وهذا فهم البعض لمعنى :﴿الر.. ( ١ )﴾ [ يوسف ]
لكنه ليس كل الفهم.
مثل : صانع الثياب الذي يضع في واجهة المحل بعضا من الخيوط التي تم نسج القماش منها ؛ ليدلنا على دقة الصنعة.
فكأن الله -سبحانه- يبين لنا أن ﴿الر.. ( ١ )﴾ [ يوسف ]
أسماء لحروف هي من أسماء الحروف التي نتكلم بها، والقرآن تكونت ألفاظه من مثل تلك الحروف، ولكن آيات القرآن معجزة، لا يستطيع البشر –ولو عاونهم الجن- أن يأتوا بمثله(٢٤).
إذن : فالسمو ليس من ناحية الخامة التي تكون الكلام، ولكن المعجزة أن المتكلم هو الحق -سبحانه- فلا بد أن يكون كلامه معجزا ؛ وإن كان مكونا من نفس الحروف التي نستخدمها نحن البشر.
وهناك معنى آخر : فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطق أسماء الحروف " ألف لام راء "، وهو صلى الله عليه وسلم الأمي(٢٥) بشهادة المعاصرين له بما فيهم خصومه، رغم أن القادر على نطق أسماء الحروف لا بد أن يكون متعلما، ذلك أن الأمي ينطق مسميات الحروف ولا يعرف أسماءها(٢٦)، وفي هذا النطق شهادة بأن من علمه ذلك هو ربه الأعلى.
ويقول الحق –سبحانه :﴿الر تلك آيات الكتاب المبين ( ١ )﴾ [ يوسف ]
كلمة " الكتاب " عندما تطلق فمعناها ينصرف إلى القرآن الكريم(٢٧).
ونجد كلمة " المبين "، أي : الذي يبين كل شيء تحتاجه حركة الإنسان الخليفة في الأرض، فإن بان لك شيء وظننت أن القرآن لم يتعرض له، فلا بد أن تبحث عن مادة أو آية تلفتك إلى ما يبين لك ما غاب عنك.
ويروى عن الإمام محمد عبده(٢٨) أنه قابل أحد المستشرقين(٢٩) في باريس ؛ ووجه المستشرق سؤالا إلى الإمام فقال :
مادامت هناك آية في القرآن تقول :﴿ما فرطنا في الكتاب(٣٠) من شيء.. ( ٣٨ )﴾ [ الأنعام ]
فدعني أسألك : كم رغيفا ينتجه أردب القمح ؟
فقال الإمام للمستشرق : انتظر، واستدعى الإمام خبازا، وسأله : كم رغيفا يمكن أن نصنعه من أردب القمح ؟ فأجاب الخباز على السؤال.
هنا قال المستشرق : لقد طلبت منك إجابة من القرآن، لا من الخباز.
فرد الإمام : إذا كان القرآن قد قال :
﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء.. ( ٣٨ )﴾ [ الأنعام ]
فالقرآن قال أيضا :
﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( ٤٣ )﴾ [ النحل ]
لقد فطن الإمام(٣١) محمد عبده إلى أن العقل البشري أضيق من أن يسع كل المعلومات التي تتطلبها الحياة ؛ لذلك شاء الحق -سبحانه- أن يوزع المواهب بين البشر ؛ ليصبح كل متفوق في مجال ما، هو من أهل الذكر في مجاله.
ونحن –على سبيل المثال- عندما نتعرض لمسألة ميراث ؛ فنحن نلجأ إلى من تخصص في المواريث، ليلدنا على دقة توزيع أنصبة هذا الميراث.
وحين يؤدي المسلم من العامة فريضة الحج، فيكفيه أن يعلم أن الحج فريضة ؛ ويبحث عند بدء الحج عمن يعل
١ *- سورة يوسف سورة مكية، نزلت بمكة المكرمة، قال السيوطي في "الإتقان في علوم القرآن" [١/٤٠]" استثنى منها ثلاث آيات من أولها، حكاه أبو حيان، وهو واه جدا لا يلتفت إليه، عدد آياتها ١١١ آية، وهي سورة جامعة "لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين، والملائكة والشياطين، والجن والإنس، والأنعام والطير، وسير الملوك والممالك، والتجار والعلماء والجهال، والرجال والنساء، وحيلهن ومكرهن، وفيها ذكر التوحيد والفقه، والسير وتعبير الرؤيا، والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا، ذكره القرطبي في تفسيره [٤/٣٤٤١].
- قال الإمام السيوطي: "اعلم أن الله افتتح سور القرآن بعشرة أنواع من الكلام:
الأول: الثناء عليه تعالى، والثناء قسمان: الأول: التحميد في خمس سور، وتبارك في سورتين، والثاني: التسبيح في سبع سور.
الثاني: حروف التهجي في تسع وعشرين سورة.
الثالث: النداء في عشر سور: خمس بنداء الرسول صلى الله عليه وسلم، وخمس بنداء الأمة.
الرابع: الجمل الخبرية، نحو" ﴿يسألونك عن الأنفال.. (١)﴾ [الأنفال]، وذلك في ثلاثة وعشرين سورة.
الخامس: القسم، في خمس عشرة سورة.
السادس: الشرط، في سبع سور مثل: ﴿إذا وقعت الواقعة (١)﴾ [الواقعة].
السابع: الأمر، في ست سور، نحو: ﴿قل هو الله أحد (١)﴾ [الإخلاص].
الثامن: الاستفهام، في ست سور، نحو: ﴿عم يتساءلون (١)﴾ [النبأ]
التاسع: الدعاء، في ثلاث سور: الهمزة، المطففين، المسد.
العاشر: التعليل، في سورة قريش، انتهى باختصار [الإتقان في علوم القرآن ٣/٣١٦]..

٢ - إن السماع قبل القراءة ضرورة من ضرورات سلامة النطق، وطهارة الكلمة؛ لذلك يقول الحق: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياته ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (١٥١)﴾ [البقرة] فالتلاوة ابتداء، والتزكية ارتقاء، والتعليم صفاء، ووضع الشيء في مكانه ووضع للمقال في مقامه، وفي الغيب علم يتوالى، وفي التوالي إعجاب، والإعجاب توحيد بنزاهة، وتفريد بطهارة، وتجريد بإخلاص..
٣ -قال ابن الجزري في كتابه: النشر في القراءات العشر" [١/٢١٠]: "لا شك أن هذه الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها..
٤ - يقول تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (٧)﴾ [آل عمران]..
٥ - معنى المتشابه هنا أي: ما استأثر الله بعلمه، وخفي معناه على الناس، أو هو ما احتمل أوجها من حيث المعنى والتأويل، وهذا هو معنى الآية السابعة من سورة آل عمران، أما قوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها.. (٢٣)﴾ [الزمر] فمعناه: أنه يشبه بعضه بعضا في الصحة، وعدم التناقض وتأييد بعضه لبعض، انظر "فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن" لأبي يحيى الأنصاري (ص ٦٠)..
٦ - غض البصر وغض من بصره، يغض غضا: خفضه ولم يرفعه ولم يحدقه فيما أمامه، أو كف بصره ولم ينظره، وفي غض البصر قال: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم..(٣٠)﴾ [النور]، وقال: ﴿قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن..(٣١)﴾ [النور]، ومنه غض صوته خفضه، قال تعالى: ﴿واغضض من صوتك..(١٩)﴾ [لقمان] [القاموس القويم: ٢/ ٥٦]..
٧ - أصل هذه الكلمة الهنداز، وهي كلمة فارسية أصلها أنداز فصيرت الزاي سينا، لأنه ليس في شيء من كلام العرب زاي بعد الدال، والاسم الهندسة، والمهندز: هو الذي يقدر مجازي القني والأبنية. [انظر لسان العرب- مادتي: هندز، هندس]..
٨ - أحكم الأمر: أتقنه، قال تعالى: ﴿ثم يحكم الله آياته..[٥٢]﴾ [الحج] أي: يبينها ويجعلها متقنة مقنعة محكمة، وآيات محكمة: متقنة مقنعة واضحة، وقيل: محكمة غير منسوخة أو محكمة غير متشابهة فلا تحتاج إلى تأويل، وقال تعالى: ﴿فإذا أنزلت سورة محكمة..(٢٠)﴾ [محمد] أي: متقنة، [القاموس القويم: ١/ ١٦٦]..
٩ - أم الكتاب: أصله، يرد إليها كل ما عداها مما يحتمل أوجها كثيرة، قال في التهذيب: أم الكتاب كل آية محكمة من آيات الشرائع والأحكام والفرائض، [نقله ابن منظور في اللسان- مادة: أمم] وأم الكتاب: فاتحته: لأنه يبتدأ بها في كل صلاة [اللسان]..
١٠ - زاغ يزيغ زيغا وزيغانا: مال عن القصد وأزاغه: أماله وصرفه عن القصد: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم..(٥)﴾ [الصف] أي: فلما انحرفوا عن الحق واختاروا طريق الباطل، صرف الله قلوبهم وتركهم وما اختاروه فلم يجبرهم على الإيمان. [القاموس القويم: ١/ ٢٩٣، ٢٩٤]..
١١ - بغى الشيء: طلبه، وابتغاه: طلبه، قال تعالى: ﴿يبغونكم الفتنة..(٤٧)﴾ [التوبة]، أي: يطلبونها لكم. وقال تعالى: ﴿يبتغون فضلا من الله ورضوانا..(٢٩)﴾ [الفتح] أي: يطلبون فضلا، وقوله: ﴿لقد ابتغوا الفتنة..(٤٨)﴾ [التوبة] أي: طلبوها وسعوا في بثها ونشرها [القاموس القويم: ١/ ٧٦]..
١٢ - المأرب والأرب والإرب: الحاجة والغرض، يقول تعالى عن عصا موسى عليه السلام قال عنه: ﴿ولي فيها مآرب أخرى (١٨)﴾ [طه] أي: حاجات وأغراض كثيرة أخرى كاتقاء ضرر أو غير ذلك [القاموس القويم: ١/ ١٧] بتصرف..
١٣ - تأويل الكلام: تفسيره وتبيين المراد منه. قال ابن منظور في [لسان العرب- مادة: أول]: " التأويل والمعنى والتفسير واحد، قال أبو عبيد في قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله..(٧)﴾ [آل عمران]: التأويل المرجع والمصير مأخوذ من آل يؤول إلى كذا، أي: صار إليه قال الجوهري: التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء..
١٤ - رسخ يرسخ رسوخا: ثبت فهو راسخ أي: ثابت. الراسخون في العلم: المتمكنون فيه، [القاموس القويم: ١/ ٢٦٤]..
١٥ - تمام هذا الحديث: (إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به) عزاه ابن كثير في تفسيره [١/ ٢٤٦] لابن مردويه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص..
١٦ - قال الليث: استلام الحجر تناوله باليد وبالقبلة ومسحه بالكف، وقال الجوهري: استلم الحجر لمسه إما بالقبلة أو باليد، [نقله ابن منظور في لسان العرب- مادة: سلم]..
١٧ - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر فأستلمه، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا، فالتفت فإذا هو بعمر يبكي، فقال: (يا عمر، ههنا تسكب العبرات) أخرجه ابن ماجه في سننه [٢٩٤٥] والحاكم في مستدركه [١/٤٥٤] كلاهما من طريق محمد بن عون الخراساني قال البوصيري في الزوائد: ضعفه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما، قلت: قد صححه الحاكم وأقره الذهبي على تصحيحه..
١٨ - وهو ما يعرف برمي الجمرات في منى في أيام الحج، وهي ثلاث جمرات: الصغرى وهي القريبة من مسجد الخيف، ثم الجمرة الوسطى وبينهما ١٥٥ مترا، ثم الجمرة الكبرى، كل جمرة ترمى بـ ٢١ حصاة على ثلاثة أيام: ١١، ١٢، ١٣ من ذي الحجة. انظر: كتابي "فتاوى وأحكام حول مناسك الحج والعمرة"..
١٩ - لذلك كان عمر رضي الله عنه يقول: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) أخرجه البخاري في صحيحه [١٦١٠] من حديث ابن عمر رضي الله عنهما..
٢٠ - راعه ذلك: أفزعه، وارتاع منه وله وروعه فتروع، أي: تفزع، والروع والرواع: الفزع [لسان العرب- مادة: روع]..
٢١ - المطية: الدابة تمتطى أي: يركب ظهرها، والجمع: مطايا والمطا: الظهر لامتداده، وأصل المطو المد، وتمطى الرجل: تمدد، وكل شيء مددته فقد مطوته، وتمطى النهار: امتد وطال [لسان العرب – مادة: مطا- بتصرف]..
٢٢ قال ابن كثير في تفسيره [١/ ٣٧]: "مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا، ، وهي – ا ل م ص ر ك هـ ي ع ط س ح ق ن – يجمعها قول: "نص حكيم قاطع له سر"..
٢٣ - عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: "أسر إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي" أخرجه البخاري في صحيحه [٣٦٢٤] وأحمد في مسنده [٦/٢٨٢].
.

٢٤ - وفي هذا يقول الحق سبحانه: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (٨٨)﴾ [الإسراء]..
٢٥ - "قال أبو إسحاق: معنى الأمي: المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه، مكتسبة، فكأنه نسب إلى ما يولد عليه، أي: على ما ولدته أمه عليه: نقله ابن منظور في[لسان العرب- مادة: أمم] وقال: "بعثه الله رسولا وهو لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وكانت هذه الخلة إحدى آياته المعجزة لأنه صلى الله عليه وسلم تلا عليهم كتاب الله منظوما، تارة بعد أخرى، بالنظم الذي أنزل عليه فلم يغيره ولم يبدل ألفاظه" إذن: الأمي هو ما كان على الفطرة الربانية، وتلقيه للإمدادات هو من العطاءات النورانية، أما الكتابة فهي اكتساب، وعلم الأمي من الخصوصيات الاصطفائية..
٢٦ - الفرق بين الاسم والمسمى بالنسبة للحروف أن حروفا مثل: [ك]، [ت]، [ب]، ينطقها الأمي في كلامه [كتب] كمسميات للحروف، ولكنه لا يستطيع أن يقول لك: إن هذا الحرف اسمه [ك] أو هذا اسمه [تاء] أو هذا اسمه [باء]، فهو لا يستطيع أن يتهجى الكلمة، ولكنه يستطيع أن ينطقها للدلالة على فعل الكتابة، وقد أخذها من أفواه الناس هكذا. [من مفهوم الخواطر]..
٢٧ - وردت لفظة "الكتاب" في القرآن [٢٣٠] مرة، ويقصد بها معاني كثيرة: القرآن، التوراة، الإنجيل، اللوح المحفوظ، ومن معاني الكتاب أيضا "الرسالة" مثل رسالة سليمان عليه السلام التي أرسلها مع الهدهد إلى ملكة اليمن فقال: ﴿اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون (٢٨)﴾ [النمل] ومن المعاني أيضا صحيفة الإنسان التي تعرض عليه يوم القيامة: ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (١٤)﴾ [الإسراء]..
٢٨ - هو: محمد عبده بن حسن خير الله، من آل التركماني، مفتي الديار المصرية، ولد في شنرا [من قرى الغربية بمصر] عام ١٨٤٩م ونشأ في محلة نصر [البحيرة]، تعلم بالجامع الأحمدي بطنطا، ثم بالأزهر، أجاد الفرنسية بعد الأربعين، أصدر في باريس جريدة "العروة الوثقى" مع جمال الدين الأفغاني، توفي عام ١٩٠٥م بالإسكندرية، ودفن في القاهرة. [الأعلام للزركلي ٦/ ٢٥٢]..
٢٩ - المستشرقون: جمع مستشرق، وهم علماء الغرب المهتمون بعلوم الشرق وآدابه ودياناته وفلسفاته، فهم يتخصصون في هذا دراسة وبحثا وتنقيبا، ومنهم المنصفون للإسلام ومنهم المعادون له الذين يسخرون دراساتهم للطعن في الإسلام..
٣٠ - قال القرطبي في تفسيره [٣/ ٢٥٠٥] " أي: في اللوح المحفوظ، فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث، وقيل: أي: في القرآن أي: ما تركنا شيئا من أمر الدين إلا وقد دللت عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب..
٣١ - الإمام محمد عبده من الأئمة الأعلام، وهو مجدد لعصره، له آثاره الفكرية، وله مدرسته الإصلاحية، عاصر جمال الدين الأفغاني، وكان للإمام محمد عبده اتجاهاته في تربية الأفراد والشعوب، بحيث تبدأ التربية بالفرد أولا، ثم بالجماعة ثانيا، وهذا التدرج التربوي انفرد به الإمام عن جمال الدين الأفغاني، وإن كان بينهما عموم وخصوص..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى