البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
ثم احتالوا على أبيهم في إرسال يوسف معهم، كما قال تعالى :
﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ * ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ * ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ * ﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾
قلت :( تأمننا ) : اجتمع نونان، فيجوز الإدغام، وبه قرأ أبو جعفر، وقرأ الجماعة بالإشمام.
يقول الحق جل جلاله : قال إخوة يوسف لأبيهم :﴿يا أبانا مَا لَك لا تأمنّا على يوسف﴾ أي : لم تخافنا عليه ؟ ﴿وإنا له لناصحون﴾ نشفق عليه، ونريد له الخير. أرادوا أن يستنزلوه عن رأيه في حفظه منهم لما تنسم من حسدهم. قلت : قد نصحوه في الحقيقة حيث تسببوا في ملكه وعزه. رُوي أنهم لما قالوا له :( مالك. . . ) الخ، اهتزت أركانه، واصفر لونه، واصطكت أسنانه، وتحركت جوانبه، كأنه علم بما في قلوبهم بالفراسة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : لم يسمح يعقوب عليه السلام بفراق حبيبه ساعة، وكذلك العبد لا ينبغي أن يغفل عن سيده لحظة ؛ لأن الغفلة فراق، والذكر انجماع، والعبد لا صبر له عن سيده. وأنشدوا :
وأنشدوا أيضاً في ذم الغفلة :
قيل : إن بعض الصالحين رأى أستاذه في المنام، فقال له : يا أستاذ، أي الحسرات عندكم أعظم ؟ قال : حسرة الغافلين، وأنشدوا :
ورأى ذو النون المصري بعض الصالحين في المنام، فقال له : ما فعل الله بك ؟ قال : أوقفني بين يديه، وقال : يا مدعي، ادعيت محبتي ثم غفلت عني. وأنشدوا :
ورأى عبد الله بن مسلمة والده في النوم، فقال له : يا أبت، كيف ترى حالك ؟ فقال له : يا ولدي عشنا غافلين. وأنشدوا :
قيل : ما أصاب يعقوب ما أصابه في ولده إلا من أجل خوفه عليه، وغفلته عن استيداعه ربه، ولو استودعه ربه لحفظه. لكن لا ينفع حذر من قدر. ( وكان أمر الله قدراً مقدوراً ).
﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ * ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ * ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ * ﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾
قلت :( تأمننا ) : اجتمع نونان، فيجوز الإدغام، وبه قرأ أبو جعفر، وقرأ الجماعة بالإشمام.
يقول الحق جل جلاله : قال إخوة يوسف لأبيهم :﴿يا أبانا مَا لَك لا تأمنّا على يوسف﴾ أي : لم تخافنا عليه ؟ ﴿وإنا له لناصحون﴾ نشفق عليه، ونريد له الخير. أرادوا أن يستنزلوه عن رأيه في حفظه منهم لما تنسم من حسدهم. قلت : قد نصحوه في الحقيقة حيث تسببوا في ملكه وعزه. رُوي أنهم لما قالوا له :( مالك. . . ) الخ، اهتزت أركانه، واصفر لونه، واصطكت أسنانه، وتحركت جوانبه، كأنه علم بما في قلوبهم بالفراسة.
| فلأَبكيَن على الفراق كما بكى | سفا لفُرقةِ يوسفٍ يعقوبُ |
| وَلأَدعُوَنَّكَ في الظلام كما دعا | عند البلية رَبّه أيوبُ |
وأنشدوا أيضاً في ذم الغفلة :
| غَفَلتَ عَنِ الأَيَّامِ يا أَخي فَانتَبِهْ | وَشَمِّرْ فإن الموتَ لا شك واقعْ |
| على أي شيءٍ هو حزنك قائم | جنود المنايا تأتيك فانهض وسارعْ |
| تيقظ إلى التِّذكار فالعمر قد مضى | وحتى مَتَى ذا السكرُ من غفلة الهوى |
| تغافلت عن فهم الحقيقة بالهوى | فلا أُذنٌ تُصغِي ولا عينٌ تَذرِفُ |
| ضعفت ولكن في أمانيك قوةٌ | فيا تابعَ اللذاتِ كم تتخلفُ |
| غفلتَ وحادِي الموتِ يحدوك للبِلاَ | وجسمك يا مغرور أصبح معتلا |
| وحتى متى يا صاح بابك مغلق | أتاك نذير الموت والعمر قد ولّى |