فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
لما أجمع رأيهم على أن يلقوه في غيابات الجبّ، جاءوا إلى أبيهم وخاطبوه بلفظ الأبوة استعطافاً له، وتحريكاً للحنو الذي جبلت عليه طبائع الآباء للأبناء، وتوسلاً بذلك إلى تمام ما يريدونه من الكيد الذي دبروه، واستفهموه استفهام المنكر لأمر ينبغي أن يكون الواقع على خلافه، ف ﴿قَالُواْ يأَبَانَا مالك لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُفَ﴾ أي : أيّ شيء لك لا تجعلنا أمناء عليه، وكأنهم قد كانوا سألوه قبل ذلك أن يخرج معهم يوسف فأبى. وقرأ يزيد بن القعقاع، وعمرو بن عبيد، والزهري ( لا تأمنا ) بالإدغام بغير إشمام. وقرأ طلحة بن مصرف :( لا تأمننا ) بنونين ظاهرتين على الأصل. وقرأ يحيى بن وثاب، وأبو رزين، والأعمش :( لا تيمنا ) وهو لغة تميم كما تقدم. وقرأ سائر القراء بالإدغام والإشمام ليدلّ على حال الحرف قبل إدغامه ﴿وَإِنَّا لَهُ لناصحون﴾ في حفظه وحيطته حتى نردّه إليك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً نرتع وَنَلْعَبُ﴾ قال : نسعى وننشط ونلهو. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والسلفي في الطيوريات عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :( لا تلقنوا الناس فيكذبوا، فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس، فلما لقنهم أبوهم كذبوا، فقالوا : أكله الذئب ) وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله :﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ الآية قال : أوحي إلى يوسف وهو في الجبّ لتنبئن إخوتك بما صنعوا وهم لا يشعرون بذلك الوحي. وأخرج هؤلاء عن قتادة قال : أوحى الله إليه وحياً وهو في الجبّ أن سينبئهم بما صنعوا ﴿وهم﴾ أي : إخوته ﴿لا يشعرون﴾ بذلك الوحي، فهوّن ذلك الوحي عليه ما صنع به. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله :﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ قال : لم يعلموا بوحي الله إليه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال : لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون جيء بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فطنّ، فقال : إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له : يوسف يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجبّ، فأتيتم أباكم فقلتم : إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب، فقال بعضهم لبعض : إن هذا الجام ليخبره [ بخبركم ]، فقال ابن عباس : فلا نرى هذه الآية نزلت إلاّ في ذلك ﴿لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي بكر بن عياش قال : كان يوسف في الجبّ ثلاثة أيام. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ قال : بمصدّق لنا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿وَجَاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ قال : كان دم سخلة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿وَجَاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ قال : لما أتي يعقوب بقميص يوسف فلم ير فيه خرقاً قال : كذبتم لو كان كما تقولون أكله الذئب لخرق القميص. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله :﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ يقول : بل زينت لكم أنفسكم أمراً ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ﴾ أي : على ما تكذبون. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن حبان بن أبي حبلة قال :( سئل رسول الله ﷺ عن قوله :﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قال :( لا شكوى فيه، من بثّ لم يصبر ) وهو من طريق هشيم عن عبد الرحمن، عن حبان بن أبي حبلة، وهو مرسل. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله :﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قال : ليس فيه جزع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى