جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَرَاوَدَتْهُ الّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نّفْسِهِ وَغَلّقَتِ الأبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنّهُ رَبّيَ أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : وراودت امرأة العزيز، وهي التي كان يوسف في بيتها ﴿يوسُفَ﴾ عن نفسه أن يواقعها. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : ولما بلغ أشدّه ﴿راودته التي هو في بيتها عن نفسه﴾ : امرأة العزيز.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَرَاوَدَتْهُ التي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾، قال : أحبته.
قال : ثني أبي، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال : قالت تعالَهْ.
وقوله :﴿وَغَلّقَتِ الأبْوَابَ﴾، يقول : وغلّقت المرأة أبواب البيوت، عليها وعلى يوسف لما أرادت منه، وراودته عليه، بابا بعد باب.
وقوله :﴿وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾، اختلفت القرأة في قراءة ذلك : فقرأته عامة قرأة الكوفة والبصرة :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، بفتح، الهاء والتاء، بمعنى : هلمّ لك، وادن، وتقرّب، كما قال الشاعر لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه :
أبْلِغْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَأخا العِراقِ إذَا أتَيْتا
أنّ العِرَاقَ وأهْلَهُعُنُقٌ إليكَ فهَيْتَ هَيْتا
يعني : تعال، واقرب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك تأولّه من قرأه كذلك :
حدثني محمد بن عبد الله المخرمي، قال : حدثنا أبو الجوّاب، قال : حدثنا عمار بن زريق، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال : هلمّ لك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال : هلمّ لك.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، تقول : هلمّ لك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حجاج، قال : حدثنا حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ بن حبيش، أنه كان يقرأ هذا الحرف :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، نصبا، أي : هلمّ لك.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال ابن عباس، قوله :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال : تقول : هلمّ لك.
حدثني أحمد بن سهيل الواسطي، قال : حدثنا قرة بن عيسى، قال : حدثنا النضر بن عليّ الجزري، عن عكرمة، مولى ابن عباس، في قوله :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال : هلمّ لك. قال : هي بالحورانية.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾، قال : كان الحسن يقول : هلمّ لك.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، يقول بعضهم : هلمّ لك.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ :﴿وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾، قال : هلمّ لك. وهي بالقبطية.
حدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن عمرو، عن الحسن :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال : كلمة بالسريانية، أي : عليك.
حدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال : هلمّ لك.
حدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا خلف بن هشام، قال : حدثنا محبوب، عن قتادة، عن الحسن :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال : هلمّ لك.
قال : حدثنا عفان، قال : حدثنا حماد، عن عاصم، عن زر :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، أي : هلمّ.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا الثوري، قال : بلغني في قوله :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال : هلمّ لك.
حدثنا أحمد بن يوسف، قال : حدثنا أبو عبيد، قال : حدثنا عليّ بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قرأ :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، وقال : تدعوه إلى نفسها.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال : لغة عربية تدعوه بها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال : لغة بالعربية تدعوه بها إلى نفسها.
حدثنا الحسن، قال : حدثنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثل حديث محمد بن عمرو، سواء.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، بفتح الهاء والتاء، وقال : تقول : هلمّ لك.
حدثني الحرث، قال أبو عبيدة : كان الكسائيّ يحكيها، يعني :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال : وقال : وهي لغة لأهل حوران وقعت إلى الحجاز، معناها :«تعال ». قال : وقال أبو عبيد : سألت شيخا عالما من أهل حوران، فذكر أنها لغتهم يعرفها.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال : تعال.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :﴿وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾، قال : هلمّ لك إليّ.
وقرأ ذلك جماعة من المتقدمين :﴿وَقالَتْ هِئْتُ لَكَ﴾ بكسر الهاء، وضمّ التاء، والهمز، بمعنى : تهيأت لك، من قول القائل : هِئْتُ للأمر أَهِيء هَيْئَةً. وممن رُوي ذلك عنه ابن عباس، وأبو عبد الرحمن السُلمِي، وجماعة غيرهما.
حدثنا أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحجاج، عن هارون، عن أبان العطار، عن قتادة : أن ابن عباس قرأها كذلك مكسورة الهاء مضمومة التاء. قال أحمد : قال أبو عبيد : لا أعلمها إلا مهموزة.
حدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا عبد الوهاب، عن أبان العطار، عن عاصم، عن أبي عبد الرحمن السلمي :﴿هِئْتُ لَكَ﴾، أي تهيأت لك.
قال : حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كان عكرمة يقول : تهيأت لك.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال :﴿هِئْتُ لَكَ﴾، قال عكرمة : تهيأت لك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج، قال : حدثنا حماد، عن عاصم بن بهدلة، قال : كان أبو وائل يقول :﴿هِئْتُ لَكَ﴾، أي : تهيأت لك.
وكان أبو عمرو بن العلاء والكسائي ينكران هذه القراءة.
حُدثت عن عليّ بن المُغيرة، قال : قال أبو عبيدة معمر بن المثنى، شهدت أبا عمرو وسأله أبو أحمد، أو أحمد، وكان عالما بالقرآن، عن قول من قال :﴿هِئْتُ لَكَ﴾، بكسر الهاء وهمز الياء، فقال : أبو عمرو. ينسي، أي : باطل، جعلها، «فعِلت »، من :«تهيأت »، فهذا الخندق، فاستعرض حتى تنتهِي إلى اليمن، هل تعرف أحدا يقول : " هئت لك " ؟
حدثني الحرث، قال : حدثنا القاسم، قال : لم يكن الكسائي يحكي : " هِئْتُ لَكَ " عن العرب.
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة :﴿هِيتَ لَكَ﴾، بكسر الهاء، وتسكين الياء، وفتح التاء.
وقرأه بعض المكيين :﴿هَيْتُ لَكَ﴾، بفتح الهاء، وتسكين الياء، وضمّ التاء.
وقرأه بعض البصريين، وهو عبد الله بن إسحاق :﴿هَيْتِ لَكَ﴾، بفتح الهاء، وكسر التاء. وقد أنشد بعض الرواة بيتا لطرفة بن العبد في «هَيْتُ »، بفتح الهاء، وضم التاء، وذلك :
لَيْسَ قَوْمي بالأَبْعَدِينَ إذَا ماقالَ دَاعٍ مِنَ العَشِيرَةِ هَيْتُ
وأولى القراءة في ذلك، قراءة من قرأه :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، بفتح الهاء والتاء، وتسكين الياء، لأنها اللغة المعروفة في العرب دون غيرها، وأنها فيما ذكر قراءة رسول الله ﷺ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال ابن مسعود : قد سمعتُ القرأة، فسمعتهم متقاربين، فاقرءوا كما علمتم، وإياكم والتنطع والاختلاف، فإنما هو كقول أحدكم : هلمّ، وتعال. ثم قرأ عبد الله : ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، فقلت : يا أبا عبد الرحمن إن ناسا يقرءونها :﴿هِيتَ لَكَ﴾، فقال عبد الله : إني أقرؤها كما عُلِّمْتُ، أحبُّ إليّ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقرأ هذه الآية :﴿وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾، قال : فقالوا له : ما كنا نقرؤها إلا :﴿هِيتَ لَكَ﴾، فقال عبد الله : إني أقرؤها كما عُلِّمْتُ، أحبُّ إليّ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل، قال : قال عبد الله :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، فقال له مسروق : إن ناسا يقرءونها :﴿هِيتَ لَكَ﴾، فقال : دعوني، فإني أقرأ كما أُقْرِئْتُ، أحبُّ إليّ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا آدم العسقلاني، قال : حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود، قال :﴿هَيْتَ لَكَ﴾، بنصب الهاء والتاء، وبلا همز.
وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى، أن العرب لا تثني ﴿هَيتَ لَكَ﴾، ولا تجمع، ولا تؤنث، وأنها تصوّره في كلّ حال، وإنما يتبين العدد بما بعد، وكذلك التأنيث والتذكير، وقال : تقول للواحد : " هيت لك "، وللاثنين : " هيت لكما "، وللجمع : " هيت لكم "، وللنساء : " هيت لكن ".
وقوله :﴿قالَ مَعاذَ الله﴾، يقول جلّ ثناؤه : قال يوسف، إذ دعته المرأة إلى نفسها، وقالت له : " هلمّ إليّ " : أعتصم بالله من الذي تدعوني إليه، وأستجير به منه.
وقوله :﴿إنّهُ رَبّي أحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، يقول : إن صاحبك وزوجك سيدي. كما :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ :﴿مَعاذَ اللّهِ إنّهُ رَبّي﴾، قال : سيدي.
قال : حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح :﴿إنّهُ رَبّي﴾، قال : سيدي.
حدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد :﴿قالَ مَعاذَ اللّهَ إنّهُ رَبّي أحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، قال : سيدي، يعني : زوج المرأة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿قالَ مَعاذَ اللّهِ إنّهُ رَبي﴾، يعني : إطفير، يقول : إنه سيدي.
وقوله :﴿أحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، يقول : أحسن منزلتي، وأكرمني، وائتمنني، فلا أخونه. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال :﴿أحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ : أمنني على بيته وأهله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿أحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، فلا أخونه في أهله.
حدثنا القاسم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى