جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِهَا لَوْلآ أَن رّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السّوَءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.
ذُكر أن امرأة العزيز لما همّت بيوسف، وأرادت مراودته، جعلت تذكر له محاسن نفسه، وتشوّقه إلى نفسها. كما :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو بن محمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَلَقَدْ هَمّتْ بهِ وَهَمّ بِها﴾، قال : قالت له : يا يوسف، ما أحسن شعرك ! قال : هو أوّل ما ينتثر من جسدي. قالت : يا يوسف، ما أحسن وجهك ! قال : هو للتراب يأكله. فلم تزل حتى أطمعته، فهمت به، وهمّ بها. فدخلا البيت، وغلقت الأبواب، وذهب ليحلّ سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب قائما في البيت قد عضّ على أصبعه، يقول : يا يوسف، تواقعها فإنما مَثَلُكَ ما لم تواقعها مثل الطير في جوّ السماء لا يطاق، ومثلك إذا واقعتها مثلَه إذا مات ووقع إلى الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يُعمل عليه، ومثلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويله، وذهب ليخرج يشتدّ، فأدركْته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط، وطرحه يوسف، واشتدّ نحو الباب.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : أكبت عليه، يعني : المرأة، تطمعه مرّة، وتخيفه أخرى، وتدعوه إلى لذّة من حاجة الرجال في جمالها وحسنها ومُلكها، وهو شاب مستقبل يجد من شبق الرجال ما يجد الرجل حتى رقّ لها مما يرى من كلفها به، ولم يتخوّف منها حتى همّ بها، وهمت به، حتى خَلَوَا في بعض بيوته.
ومعنى الهمّ بالشيء في كلام العرب : حديث المرء نفسه بمواقعته، ما لم يواقع.
فأما ما كان من همّ يوسف بالمرأة وهمها به، فإن أهل العلم قالوا في ذلك ما أنا ذاكره، وذلك ما :
حدثنا أبو كريب وسفيان بن وكيع، وسهل بن موسى الرازي، قالوا : حدثنا ابن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، سئل عن همّ يوسف ما بلغ ؟ قال : حلّ الهِمْيان، وجلس منها مجلس الخاتن. لفظ الحديث لأبي كُريب.
حدثنا أبو كريب، وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن عيينة، قال : سمع عبيد الله بن أبي يزيد ابن عباس في :﴿وَلَقَدْ همّتْ بِه وَهَمّ بِهَا﴾، قال : جلس منها مجلس الخاتن، وحلّ الهِمْيان.
حدثنا زياد بن عبد الله الحساني، وعمرو بن عليّ، والحسن بن محمد، قالوا : حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي يزيد، قال : سمعت ابن عباس سئل : ما بلغ من همّ يوسف ؟ قال : حلّ الهميان، وجلس منها مجلس الخاتن.
حدثني زياد بن عبد الله، قال : حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال : سألت ابن عباس : ما بلغ من همّ يوسف ؟ قال : استلقت له، وجلس بين رجليها.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة :﴿وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِها﴾، قال : استلقت له، وحلّ ثيابه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا قبيصة بن عقبة، قال : حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس :﴿وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِها﴾، ما بلغ ؟ قال : استلقت له، وجلس بين رجليها، وحلّ ثيابه، أو ثيابها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال : سألت ابن عباس : ما بلغ من همّ يوسف ؟ قال : استلقت على قفاها، وقعد بين رجليها لينزع ثيابه.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال : سئل ابن عباس، عن قوله :﴿وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِها﴾، ما بلغ من همّ يوسف ؟ قال : حلّ الهميان، يعني : السراويل.
حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت الأعمش، عن مجاهد، في قوله :﴿وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِها﴾، قال : حلّ السراويل حتى التّبان، واستلقت له.
حدثنا زياد بن عبد الله الحساني، قال : حدثنا مالك بن سعير، قال : حدثنا الأعمش، عن مجاهد، في قوله :﴿وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِها﴾، قال : حلّ سراويله، حتى وقع على التّبان.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِها﴾، قال : جلس منها مجلس الرجل من امرأته.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، قال : ثني القاسم بن أبي بزة :﴿وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِها﴾، قال : أما هَمّها به : فاستلقت له، وأما همه بها : فإنه قعد بين رجليها، ونزع ثيابه.
حدثنا الحسن بن محمد، قال : ثني حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال : أخبرني عبد الله بن أبي مليكة، قال : قلت لابن عباس : ما بلغ من همّ يوسف ؟ قال : استلقت له، وجلس بين رجليها ينزع ثيابه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحماني، قال : حدثنا يحيى بن اليمان، عن سفيان، عن عليّ بن بذيمة، عن سعيد بن جبير وعكرمة، قالا : حلّ السراويل، وجلس منها مجلس الخاتن.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو بن محمد العن قزي، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد :﴿وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِها﴾، قال : استلقت، وحلّ ثيابه حتى بلغ التبان.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا قيس، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير :﴿وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِها﴾، قال : أطلق تكة سراويله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي ملكية، قال : شهدت ابن عباس سئل عن همّ يوسف ما بلغ ؟ قال : حلّ الهميان، وجلس منها مجلس الخاتن.
فإن قال قائل : وكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا، وهو لله نبيّ ؟ قيل : إن أهل العلم اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم : كان ممن ابتلي من الأنبياء بخطيئة، فإنما ابتلاه الله بها ليكون من الله عزّ وجلّ على وَجَل إذا ذكرها، فيجدّ في طاعته إشفاقا منها، ولا يتكل على سعة عفو الله ورحمته.
وقال آخرون : بل ابتلاهم الله بذلك ليعرّفهم موضع نعمته عليهم، بصفحه عنهم، وتركه عقوبته عليه في الآخرة.
وقال آخرون : بل ابتلاهم بذلك ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء رحمة الله، وترك الإياس من عفوه عنه، إذا تابوا.
وأما آخرون ممن خالف أقوال السلف، وتأوّلوا القرآن بآرائهم، فإنهم قالوا في ذلك أقوالاً مختلفة : فقال بعضهم : معناه : ولقد همت المرأة بيوسف، وهمّ بها يوسف أن يضربها أو ينالها بمكروه لهمها به مما أرادته من المكروه، لولا أن يوسف رأى برهان ربه، وكفه ذلك عما همّ به من أذاها، لا أنها ارتدعت من قِبلَ نفسها. قالوا : والشاهد على صحة ذلك قوله :﴿كذلكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السّوءَ والفَحْشاءَ﴾، قالوا : فالسوء : هو ما كان همّ به من أذاها، وهو غير الفحشاء.
وقال آخرون منهم : معنى الكلام : ولقد همت به. فتناهى الخبر عنها، ثم ابتدئ الخبر عن يوسف، فقيل : وهمّ بها يوسف، لولا أن رأى برهان ربه. كأنهم وجهوا معنى الكلام إلى أن يوسف لم يهمّ بها، وأن الله إنما أخبر أن يوسف لولا رؤيته برهان ربه لهمّ بها، ولكنه رأى برهان ربه، فلم يهمّ بها، كما قيل :﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتّبَعْتُمُ الشّيْطانَ إلاّ قَليلاً﴾. ويفسد هذين القولين أن العرب لا تقدم جواب «لولا » قبلها، لا تقول : " لقد قمت لولا زيد "، وهي تريد : " لولا زيد لقد قمت "، هذا مع خلافهما جميع أهل العلم بتأويل القرآن الذين عنهم يؤخذ تأويله.
وقال آخرون منهم : بل قد همّت المرأة بيوسف، وهمّ يوسف بالمرأة، غير أن همهما كان تمثيلاً منهما بين الفعل والترك، لا عزما ولا إرادة، قالوا : ولا حرج في حديث النفس ولا في ذكر القلب إذا لم يكن معهما عزم ولا فعل. وأما البرهان الذي رآه يوسف، فترك من أجله مواقعة الخطيئة، فإن أهل العلم مختلفون فيه، فقال بعضهم : نودي بالنهي عن مواقعة الخطيئة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي ملكية، عن ابن عباس :﴿لَوْلا أنْ رأى بُرْهانَ رَبّه﴾، قال : نودي : يا يوسف، أتزني ؟ فتكون كالطير وقع ريشه فذهب يطير، فلا ريش له.
قال : حدثنا ابن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي ملكية، عن ابن عباس، قال : لم يتعظ على النداء حتى رأى برهان ربه، قال : تمثال صورة وجه أبيه، قال سفيان : عاضّا على أصبعه، فقال : يا يوسف، تزني، فتكون كالطير ذهب ريشة ؟
حدثني زياد بن عبد الله الحساني، قال : ثني محمد بن أبي عديّ، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال : قال ابن عباس : نودي : يا ابن يعقوب، لا تكن كالطائر له ريش، فإذا زنى ذهب ريشه، أو قعدَ لا ريش له، قال : فلم يتعظ على النداء، فلم يزد على هذا، قال ابن جريج : وحدثني غير واحد، أنه رأى أباه عاضّا على أصبعه.
حدثني أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، قال : حدثنا أبي، عن نافع عن ابن عمر، عن ابن أبي ملكية، قال : قال ابن عباس :﴿لَوْلا أنْ رأى بُرْهانَ رَبّه﴾، قال : نودي، فلم يسمع، فقيل له : يا ابن يعقوب، تريد أن تزني، فتكون كالطير نُتِف فلا ريش له ؟
حدثنا ابن حميد. قال : حدثنا سلمة، عن طلحة، عن عمرو الحضرميّ، عن ابن أبي مليكة، قال : بلغني أن يوسف لما جلس بين رجلي المرأة، فهو يحلّ هميانه، نودي : يا يوسف بن يعقوب، لا تزن، فإن الطير إذا زنى تناثر ريشه، فأعرض. ثم نودي، فأعرض. فتمثل له يعقوب عاضّا على أصبعه، فقام.
حدثني المثنى، قال : حدثنا قبيصة بن عقبة، قال : حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال : نودي : يا ابن يعقوب، لا تكن كالطير إذا زنى ذهب ريشه، وبقي لا ريش له، فلم يتعظ على النداء، ففزع.
حدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال : أخبرني عبد الله بن أبي ملكية، قال : قال ابن عباس : نودي : يا ابن يعقوب، لا تكوننّ كالطائر له ريش، فإذا زنى ذهب ريشه، قال : أو قعد لا ريش له، فلم يتعظ على النداء شيئا، حتى رأى برهان ربه، ففَرِق، ففرّ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن عثمان بن أبي سلمان، عن ابن أبي مليكة، قال : قال ابن عباس : نودي : يا ابن يعقوب، أتزني، فتكون كالطير وقع ريشه، فذهب يطير فلا ريش له ؟
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني نافع بن يزيد، عن همام بن يحيى، عن قتادة قال : نودي يوسف فقيل : أنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل السفهاء ؟
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن يمان. عن ابن جر

تفسير هذه الآية من كتب أخرى