اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَرَاوَدَتْهُ التي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ [ الآية : ٢٣ ] أعلم أنَّ يوسف عليه الصلاةوالسلام كان في غاية الجمال، فملا رأته المرأةُ ؛ طمعت فيه.
" وَرَاوَدتْهُ "، أي طالبته برفقٍ ولين قول، والمُاردودَةُ : المصدرُ، والرِّيادةُ : طلب النِّكاح، يقال : وَاوَدَ فلانٌ جاريته عن نفسها، وراودته عن نفسه، إذا حاول كُلُّ واحدٍ منها الوطء، ومشى رويداً، أي : برفقٍ في مِشْيتهِ، والرَّودُ : الرِّفقُ في الأمورِ، والتَّأنِّي فيها، وراودت المرأةُ في مشيها ترودُ رَوَدَاناً من ذلك.
والمِرْودةٌ هذه الآية منه، والإرادة منقوله من رَادَ يَرُودُ إذا سعى في طلب حاجة، وتقدَّم ذلك في البقرة :[ ٢٦ ].
وتعدى هنا ب " عَنْ " لأنه ضمن معنى خادعتهُ، أي : خادعته عن نفسه، والمفاعلة هنا من الواحدِ، نحو : داويت المريض، ويحتملُ أن تكون على بابها، فإنَّ كلاًّ منهما كان يطلبُ من صاحبه شيئاً برفق، هي تطلبُ منه الفعل، وهو يطلبُ منها التَّرْكَ.
والتشديدُ في " غَلّقتْ " للتكثير لتعدُّدِ المحالِّ، اي : أغلقت الأبواب وكانت سبعةً.
قال الواحدي :" وأصل هذا من قولهم في كلِّ فعل تشبث في شيء فلزمه قد غلق، يقال : غلق في الباطل، وغلق في غضبه، ومنه غلق الرهن ثم يعدى بالألف، فيقال : أغلق الباب إذا جعله بحيث يعسر فتحه، والسبب في تغليق الأبواب أنَّ [ هذا الفعل ] لا يُؤتى به إلاَّ في المواضع المستُورةِ لا سيَّما إذا كان حراماً، ومع الخوف الشديد ".
قوله :" هَيْتَ لَكَ " اختلف أهلُ النَّحو في هذه اللفظة، هل هي عربيةٌ أم معربةٌ ؟.
فقيل : معربةٌ من القبطيَّة بمعنى : هلمَّ لك، قاله السديُّ. وقيل : من السِّريانيَّة، قاله ابن عبَّاس، والحسن. وقيل : من العبرانية، وأصلها : هَيْتَلخَ أي : تعاله فعربه القرآن، قاله أبو زيدٍ الأنصاري. وقيل : هي لغة حورانيَّة وقعت [ إلى أهل ] الحجاز، فتكلموا بها، معناها : تعالى، قاله الكسائي والفراء، وهو منقولٌ عن عكرمة. والجمهور على أنَّها عربيةٌ.
قال مجاهدٌ : هي كلمةٌ حثِّ، وإقبال. ثمَّ هي في بعض اللغات تتعيَّن فعلتيها وفي بعضها اسميتها، وفي بعضها يجوز الأمران كما ستعرفه من القراءات المذكورة فيها.
فقرأ نافع، وابن ذكوان :" هِيْتَ " بكسر الهاءِ، وسكون الياءِ، وفتح التَّاء.
وقرأ ابن كثير " هَيْتَ " بفتح الهاء، وسكون الياء، وتاء مضمومة. وقرأ هشام " هِئْتُ " بكسر الهاء، وهمزة ساكنة، وتاء مفتوحة، أو مضمومة. وقرأ الباقون :" هَيْتَ " بفتح الهاء، وياء ساكنة، وتاء مفتوحة. فهذه خمسُ قراءاتٍ في السَّبعِ.
وقرأ ابن عباسٍ، وأبو الأسود، والحسنُ، وابن محيصن بفتح الهاء، وياء ساكنة وتاء مكسورة. وحكى النحاس : أنه قرىء بكسر الهاء والتاء بينهما ياء ساكنة.
وقرأ ابن عباس رضي الله عنه أيضاً :" هُيِيْتُ " بضمِّ الهاءٍ، وكسر الياء بعدها ياء ساكنة ثم تاء مضمومة بزنة " حُيِيْتُ ".
وقرأ زيد بن علي، وابن إبي إسحاق : بكسر الهاء، وياء ساكنة، وتاء مضمومة، فهذه أربع قراءات في الشاذ، فصارت تسع قراءات.
وقرأ السلمي، وقتادة بكسر الهاء وضم التاء مهموزاً، يعنى تهيأت لك، انكره أبو عمرو، والكسائي، ولم يحك هذا عن العرب، فيتعين كونها اسم فعلٍ في غير قراءة ابن عبَّاس " هُيِيْتُ " بزنة، " حُيِيْتُ " وفي غير قراءة كسر الهاء سواء كمان ذلك بالياء، أم بالهمز، فمن فتح التاء بناها على الفتح تخفيفاً، نحنو : أين، وكيف، ومن ضمَّها كابن كثيرٍ شبهها ب " حَيْثُ "، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين ك :" جَيْر "، وفتح الهاء، وكسرها لغتان، ويتعيَّن فعليتها في قراءة ابن عبَّاس " هُيِيْتُ " بزنة :" حُيِيْتُ " فإنها فيها فعل ماض مبني للمفعول مسند لضمير المتكلِّم من " هَيَّاتُ الشَّيءَ ".
ويحتمل الأمرين في قراءة من كسر الهاء، وضمَّ التاء، فتحتمل أن تكون فيه أسم فعل [ بنيت على ] الضم، ك " حَيْثُ "، وأن تكون فعلاً مسنداً لضمير المتكلم، من : هاء الرَّجل يَهيءُ، ك " جَاء يَجِيءُ "، وله حينئذ معنيان :
أحدهما : أن يكون بمعنى : حسنت هيئته.
والثاني : أن يكون بمعنى تَهَيَّأ، يقال :" هَيُئْتُ، أي : حَسُنَتْ هَيْئتي، أوْ تَهَيَّأتُ.
وجواز أبو البقاءِ : أن تكون " هِئْتَ " هذه من :" هَاءَ يَهَاءُ " ك " شَاءَ يَشَاءُ ".
وقد طعن جماعةٌ على قراءة هشام الَّتي بالهمز، وفتح التَّاء، فقال الفارسي : يشبه أن يكون الهمز وفتح التاء وهماً من الراوي ؛ لأنَّ الخطاب من المرأة ليوسف، ولم يتهيَّأ لها بدليل قوله :" وَرَاودَتْهُ "، و " أنِّي لَمْ أخُنْهُ بالغَيْبِ "، وتابعه على ذلك جماعة. وقال مكي بنُ أبي طالب :" يجبُ أن يكون اللفظ " هِئْتَ لي " أي : تهَيَّأتْ لِي، ولم يقرأ بذلك أحدٌ، وأيضاً : فإنَّ المعنى على خلافه ؛ لأنَّه [ لم يزل ] يفرُّ منها، وتباعد عنها، وهي تراوده، وتطلبه، وتقدُّ قميصهن فكيف تخبر أنه تهيأ لها ؟ ".
وأجاب بعضهم عن هذين الإشكالين بأن المعنى : تهيأ لي أمرك لأنها لم تكن تقدر على الخلوة به في كل وقت، أو يكون المعنى : حَسُنَتْ هَيْأتُكَ. أو " لَكَ " متعلق بمحذوف على سبيل البيانِ، كأنها قالت : القول لك، أو الخطاب لك، كهي في " سَقْياً لَكَ ورَعْياً لَكَ ".
قال شهابُ الدِّين :" واللاَّم متعلقة بمحذوف على كلِّ قراءة إلاَّ قراءة ثبت فيها كونها فعلاً، فإنَّها حينئذ تتعلق بالفعل، إذ لا حاجة إلى تقدير شيء آخر ".
وقال أبو البقاءِ :" والأضبهُ أن تكون الهمزةُ بدلاً من الياءِ، أو تكون لغة في الكلمة التي هي اسم للفعل، وليست فعلاً، لأن ذلك يوجب أن يكون الخطاب ليوسف عليه الصلاة والسلام ". وهو فاسدٌ لوجهين :
أحدهما : أنَّهُ لم يَتهيَّأ لها، وإنَّما تَهيَّأت لهُ.
الثاني : أنه قال :" لَكَ، ولو أراد الخطاب لقال :" هِئْتَ لي "، وتقدم جوابه وقوله :" إنَّ الهمزة بدلٌ من الياء ". هذا عكس لغة العرب، إذ قد عهدناهم يبدلون الهمزة السَّاكنة ياء إذا انكسر ما قبلها، نحو :" بِير " و " ذِيب " ولا يقبلون الياء المكسور ما قبلها همزة، نحو : مِيل، ودِيك، وأيضاً : فإنَّ غيرهُ جعل الياء الصَّريحة مع كسر الهاء كقراءة نافع، وابن ذكوان محتملة ؛ لأن تكون بدلاً من الهمزة، قالوا فيعودُ الكلامُ فيها، كالكلام في قراءة هشامٍ.
واعلم أنَّ القراءة التي استشكلها الفارسي هي المشهورةُ عن هشامٍ، وأمَّا ضمُّ التاء فغير مشهورٍ عنه.
ثمَّ إنَّهُ تعالى أخبر أنَّ المرأة لما ذكرت هذا الكلام، قال يوسف عليه الصلاة والسلام ﴿مَعَاذَ الله إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ " مَعاذَ اللهِ " منصوب على المصدر بفعل محذوفٍ، أي : أعوذُ بالله معاذاً، يقالُ : عَاذَ يعُوذُ عِيَاذاً [ وعِيَاذةً ]، ومعاذاً، وعوْذاً ؛ قال :[ الطويل ]
قوله " إنَّهُ " يجوز أن تكون الهاء ضمير الشَّأن، ما بعده جملة خبرية له، ومراده بربه : سيِّده، ويحتمل أن تكون الهاء ضمير الباري تعالى، و " ربِّي " يحتمل أن يكون خبرها، و " أحسنَ " جملةٌ حاليةٌ لا زمةٌ، وأن تكون مبتدأ، " وأحْسنَ " جملة خبرية له، والجلمة خبر ل " أنَّ " وقرأ الجحدريُّ، وأبو الطفيل الغنوي " مَثْويَّ " بقلب الألف ياء، وإدغامها ك " بُشْرَيَّ " و " هُدَيَّ ".
و :﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ﴾ هذه الهاء ضمير الشأن ليس إلاَّ ؛ " فعلى قولنا : إنَّ الضمير في قوله :﴿إِنَّهُ ربي﴾ يعود إلى زوجها قطفير، أي : إنه ربِّي سيِّدي، ومالكي أحسن مثواي حين قال لها :﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، فلا يليقُ بالعقل أن أجازيه على ذلك الإحسان بهذه الخيانة القبيحة وقيل : إنها راجعةٌ إلى الله تبارك وتعالى أي : أنَّ الله ربي أحسن مثواي، أي : تولاَّنِي، ومن بلاء الجبّ عافاني :﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ يعني : إن فعلتْ هذا فخنته في أهله بعدما أكرم مثواي، فأنا ظالمٌ، ولا يفلحُ الظالمُونَ.
وقيل : أراد الزناةح لانهم ظالمون لأنفسهم ؛ لأنَّ عملهم يقتضي وضع الشيء في غير موضعه.
ذكر ابنُ الخطيبِ هاهنا سؤالات :
الأول : أن يوسف عليه الصلاة والسلام كان حراً، وما كان عبداً، فقوله :﴿إِنَّهُ ربي﴾ يكون كذباً، وذلك ذنبٌ وكبيرة.
والجواب : أنه عليه الصلاة والسلام أجرى هذا الكلام بحسب الظاهر على وفق ما كانوا يعتقدون فيه من كونه عبداً.
وأيضاً : إنَّه ربه، وأنعم عليه بالوجوه الكثيرة، فعنى بقوله :﴿إِنَّهُ ربي﴾ كونه مربياً وهو من باب المعاريض الحسنةٍ، فإنَّ الظَّاهرِ يحملونه على كونه ربًّا، وهو كأنه يعني به أنه كان مربياً له ومنعماً عليه.
السؤال الثاني : ذكر يوسف عليه الصلاة والسلام في الجواب في كلامه ثلاثة أشياء :
أحدها : قوله :" مَعَاذ اللهِ ".
والثاني : قوله :﴿إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾.
والثالث : قوله :﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ فما وجه تعلُّق هذه الجوابات بعضها ببعض ".
والجواب : هذا الترتيب في غاية الحسنح لأن الأنقياد لأمر الله تعالى وتكاليفه أهم الأشياء لكثرة إنعامه، ألطافه في حق العبدِ، فقوله :﴿مَعَاذَ الله﴾ إشارة أنَّ حقَّ اللهِ يمنعُ من هذا العملِ.
وأيضاً : حقوق الخلق واجبة الرعاية، فلما كان هذا الرجل قد أنعم في حقّي، فيثبحُ معاملة [ إنعامه ] بالإساءة.
وأيضاً : صونُ النَّفسِ عن الضَّرر واجب، وهذه اللذَّة قليلة، ويتبعها خزيٌ في الدُّنيا وعذابٌ في الآخرة، وهذه اللذَّة القليلة إذا تبعها ضررٌ شديدٌ ؛ ينبغي تركها والاحتراز عنها، لقوله :﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ فهذه الجواباتُ الثلاثة مرتبة على أحسن وجوه : التريب.
السؤال الثالث : هل يدلُّ قوله عليه الصلاة والسلام " مَعاذَ اللهِ " على صحَّةِ القضاء والقدر ؟.
والجوةابُ : أنه يدل دلالة ظاهرة ؛ لأنه طلب من الله أن يعيذهُ من العمل، وتلك الإعاذة ليست عبارة من لفظ الفعل، والقدرة وإزاحة الأعذار، وإزالة الموانع وفعل الألطاف ؛ لأن كل هذا قد فعله الله تعالى، فيكونُ طلبه إمَّا طلباً لتحصيل الحاصل، أو طلباً لتحصيل الممتنع، وأنَّه محالٌ، فلعمنا أنَّ تلك الإعاذة التي طلبها يوسف من الله تعالى لا معنى لها إلا أن يخلق فيه داعية جازمة في جانب الطاعة، وأن ينزل عن قلبه داعية المعصية، وهو المطلوبُ.
ويدلُّ على ذلك : أنَّ النبي ﷺ وقع بصره على زينب قال :" يا مُقلِّبَ القُلوبِ ثَبِّتْ قَلبِي على دِينِك " وكان المراد منه تقوية داعية الطَّاعة، وإزالة داعية المعصية، فكذا وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام :" قَلْبُ المُؤمنِ بَيْنَ أصْبُعيْنِ من أصَابع الرَّحْمنِ " قال : والمراد من الأصعبين : داعية الفعل وداعية التَّركِ، وهَاتَانِ الدَّاعيتانِ لاَ يَحْصُلانِ إلا بِخلْقِ الله ت
" وَرَاوَدتْهُ "، أي طالبته برفقٍ ولين قول، والمُاردودَةُ : المصدرُ، والرِّيادةُ : طلب النِّكاح، يقال : وَاوَدَ فلانٌ جاريته عن نفسها، وراودته عن نفسه، إذا حاول كُلُّ واحدٍ منها الوطء، ومشى رويداً، أي : برفقٍ في مِشْيتهِ، والرَّودُ : الرِّفقُ في الأمورِ، والتَّأنِّي فيها، وراودت المرأةُ في مشيها ترودُ رَوَدَاناً من ذلك.
والمِرْودةٌ هذه الآية منه، والإرادة منقوله من رَادَ يَرُودُ إذا سعى في طلب حاجة، وتقدَّم ذلك في البقرة :[ ٢٦ ].
وتعدى هنا ب " عَنْ " لأنه ضمن معنى خادعتهُ، أي : خادعته عن نفسه، والمفاعلة هنا من الواحدِ، نحو : داويت المريض، ويحتملُ أن تكون على بابها، فإنَّ كلاًّ منهما كان يطلبُ من صاحبه شيئاً برفق، هي تطلبُ منه الفعل، وهو يطلبُ منها التَّرْكَ.
والتشديدُ في " غَلّقتْ " للتكثير لتعدُّدِ المحالِّ، اي : أغلقت الأبواب وكانت سبعةً.
قال الواحدي :" وأصل هذا من قولهم في كلِّ فعل تشبث في شيء فلزمه قد غلق، يقال : غلق في الباطل، وغلق في غضبه، ومنه غلق الرهن ثم يعدى بالألف، فيقال : أغلق الباب إذا جعله بحيث يعسر فتحه، والسبب في تغليق الأبواب أنَّ [ هذا الفعل ] لا يُؤتى به إلاَّ في المواضع المستُورةِ لا سيَّما إذا كان حراماً، ومع الخوف الشديد ".
قوله :" هَيْتَ لَكَ " اختلف أهلُ النَّحو في هذه اللفظة، هل هي عربيةٌ أم معربةٌ ؟.
فقيل : معربةٌ من القبطيَّة بمعنى : هلمَّ لك، قاله السديُّ. وقيل : من السِّريانيَّة، قاله ابن عبَّاس، والحسن. وقيل : من العبرانية، وأصلها : هَيْتَلخَ أي : تعاله فعربه القرآن، قاله أبو زيدٍ الأنصاري. وقيل : هي لغة حورانيَّة وقعت [ إلى أهل ] الحجاز، فتكلموا بها، معناها : تعالى، قاله الكسائي والفراء، وهو منقولٌ عن عكرمة. والجمهور على أنَّها عربيةٌ.
قال مجاهدٌ : هي كلمةٌ حثِّ، وإقبال. ثمَّ هي في بعض اللغات تتعيَّن فعلتيها وفي بعضها اسميتها، وفي بعضها يجوز الأمران كما ستعرفه من القراءات المذكورة فيها.
فقرأ نافع، وابن ذكوان :" هِيْتَ " بكسر الهاءِ، وسكون الياءِ، وفتح التَّاء.
وقرأ ابن كثير " هَيْتَ " بفتح الهاء، وسكون الياء، وتاء مضمومة. وقرأ هشام " هِئْتُ " بكسر الهاء، وهمزة ساكنة، وتاء مفتوحة، أو مضمومة. وقرأ الباقون :" هَيْتَ " بفتح الهاء، وياء ساكنة، وتاء مفتوحة. فهذه خمسُ قراءاتٍ في السَّبعِ.
وقرأ ابن عباسٍ، وأبو الأسود، والحسنُ، وابن محيصن بفتح الهاء، وياء ساكنة وتاء مكسورة. وحكى النحاس : أنه قرىء بكسر الهاء والتاء بينهما ياء ساكنة.
وقرأ ابن عباس رضي الله عنه أيضاً :" هُيِيْتُ " بضمِّ الهاءٍ، وكسر الياء بعدها ياء ساكنة ثم تاء مضمومة بزنة " حُيِيْتُ ".
وقرأ زيد بن علي، وابن إبي إسحاق : بكسر الهاء، وياء ساكنة، وتاء مضمومة، فهذه أربع قراءات في الشاذ، فصارت تسع قراءات.
وقرأ السلمي، وقتادة بكسر الهاء وضم التاء مهموزاً، يعنى تهيأت لك، انكره أبو عمرو، والكسائي، ولم يحك هذا عن العرب، فيتعين كونها اسم فعلٍ في غير قراءة ابن عبَّاس " هُيِيْتُ " بزنة، " حُيِيْتُ " وفي غير قراءة كسر الهاء سواء كمان ذلك بالياء، أم بالهمز، فمن فتح التاء بناها على الفتح تخفيفاً، نحنو : أين، وكيف، ومن ضمَّها كابن كثيرٍ شبهها ب " حَيْثُ "، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين ك :" جَيْر "، وفتح الهاء، وكسرها لغتان، ويتعيَّن فعليتها في قراءة ابن عبَّاس " هُيِيْتُ " بزنة :" حُيِيْتُ " فإنها فيها فعل ماض مبني للمفعول مسند لضمير المتكلِّم من " هَيَّاتُ الشَّيءَ ".
ويحتمل الأمرين في قراءة من كسر الهاء، وضمَّ التاء، فتحتمل أن تكون فيه أسم فعل [ بنيت على ] الضم، ك " حَيْثُ "، وأن تكون فعلاً مسنداً لضمير المتكلم، من : هاء الرَّجل يَهيءُ، ك " جَاء يَجِيءُ "، وله حينئذ معنيان :
أحدهما : أن يكون بمعنى : حسنت هيئته.
والثاني : أن يكون بمعنى تَهَيَّأ، يقال :" هَيُئْتُ، أي : حَسُنَتْ هَيْئتي، أوْ تَهَيَّأتُ.
وجواز أبو البقاءِ : أن تكون " هِئْتَ " هذه من :" هَاءَ يَهَاءُ " ك " شَاءَ يَشَاءُ ".
وقد طعن جماعةٌ على قراءة هشام الَّتي بالهمز، وفتح التَّاء، فقال الفارسي : يشبه أن يكون الهمز وفتح التاء وهماً من الراوي ؛ لأنَّ الخطاب من المرأة ليوسف، ولم يتهيَّأ لها بدليل قوله :" وَرَاودَتْهُ "، و " أنِّي لَمْ أخُنْهُ بالغَيْبِ "، وتابعه على ذلك جماعة. وقال مكي بنُ أبي طالب :" يجبُ أن يكون اللفظ " هِئْتَ لي " أي : تهَيَّأتْ لِي، ولم يقرأ بذلك أحدٌ، وأيضاً : فإنَّ المعنى على خلافه ؛ لأنَّه [ لم يزل ] يفرُّ منها، وتباعد عنها، وهي تراوده، وتطلبه، وتقدُّ قميصهن فكيف تخبر أنه تهيأ لها ؟ ".
وأجاب بعضهم عن هذين الإشكالين بأن المعنى : تهيأ لي أمرك لأنها لم تكن تقدر على الخلوة به في كل وقت، أو يكون المعنى : حَسُنَتْ هَيْأتُكَ. أو " لَكَ " متعلق بمحذوف على سبيل البيانِ، كأنها قالت : القول لك، أو الخطاب لك، كهي في " سَقْياً لَكَ ورَعْياً لَكَ ".
قال شهابُ الدِّين :" واللاَّم متعلقة بمحذوف على كلِّ قراءة إلاَّ قراءة ثبت فيها كونها فعلاً، فإنَّها حينئذ تتعلق بالفعل، إذ لا حاجة إلى تقدير شيء آخر ".
وقال أبو البقاءِ :" والأضبهُ أن تكون الهمزةُ بدلاً من الياءِ، أو تكون لغة في الكلمة التي هي اسم للفعل، وليست فعلاً، لأن ذلك يوجب أن يكون الخطاب ليوسف عليه الصلاة والسلام ". وهو فاسدٌ لوجهين :
أحدهما : أنَّهُ لم يَتهيَّأ لها، وإنَّما تَهيَّأت لهُ.
الثاني : أنه قال :" لَكَ، ولو أراد الخطاب لقال :" هِئْتَ لي "، وتقدم جوابه وقوله :" إنَّ الهمزة بدلٌ من الياء ". هذا عكس لغة العرب، إذ قد عهدناهم يبدلون الهمزة السَّاكنة ياء إذا انكسر ما قبلها، نحو :" بِير " و " ذِيب " ولا يقبلون الياء المكسور ما قبلها همزة، نحو : مِيل، ودِيك، وأيضاً : فإنَّ غيرهُ جعل الياء الصَّريحة مع كسر الهاء كقراءة نافع، وابن ذكوان محتملة ؛ لأن تكون بدلاً من الهمزة، قالوا فيعودُ الكلامُ فيها، كالكلام في قراءة هشامٍ.
واعلم أنَّ القراءة التي استشكلها الفارسي هي المشهورةُ عن هشامٍ، وأمَّا ضمُّ التاء فغير مشهورٍ عنه.
ثمَّ إنَّهُ تعالى أخبر أنَّ المرأة لما ذكرت هذا الكلام، قال يوسف عليه الصلاة والسلام ﴿مَعَاذَ الله إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ " مَعاذَ اللهِ " منصوب على المصدر بفعل محذوفٍ، أي : أعوذُ بالله معاذاً، يقالُ : عَاذَ يعُوذُ عِيَاذاً [ وعِيَاذةً ]، ومعاذاً، وعوْذاً ؛ قال :[ الطويل ]
| ٣٠٧٥ مَعاذَ الإلهِ أن تكُونَ كَظبْيةٍ | ولا دُمْيةٍ ولا عَقِيلةِ ربْرَبِ |
و :﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ﴾ هذه الهاء ضمير الشأن ليس إلاَّ ؛ " فعلى قولنا : إنَّ الضمير في قوله :﴿إِنَّهُ ربي﴾ يعود إلى زوجها قطفير، أي : إنه ربِّي سيِّدي، ومالكي أحسن مثواي حين قال لها :﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، فلا يليقُ بالعقل أن أجازيه على ذلك الإحسان بهذه الخيانة القبيحة وقيل : إنها راجعةٌ إلى الله تبارك وتعالى أي : أنَّ الله ربي أحسن مثواي، أي : تولاَّنِي، ومن بلاء الجبّ عافاني :﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ يعني : إن فعلتْ هذا فخنته في أهله بعدما أكرم مثواي، فأنا ظالمٌ، ولا يفلحُ الظالمُونَ.
وقيل : أراد الزناةح لانهم ظالمون لأنفسهم ؛ لأنَّ عملهم يقتضي وضع الشيء في غير موضعه.
فصل
ذكر ابنُ الخطيبِ هاهنا سؤالات :
الأول : أن يوسف عليه الصلاة والسلام كان حراً، وما كان عبداً، فقوله :﴿إِنَّهُ ربي﴾ يكون كذباً، وذلك ذنبٌ وكبيرة.
والجواب : أنه عليه الصلاة والسلام أجرى هذا الكلام بحسب الظاهر على وفق ما كانوا يعتقدون فيه من كونه عبداً.
وأيضاً : إنَّه ربه، وأنعم عليه بالوجوه الكثيرة، فعنى بقوله :﴿إِنَّهُ ربي﴾ كونه مربياً وهو من باب المعاريض الحسنةٍ، فإنَّ الظَّاهرِ يحملونه على كونه ربًّا، وهو كأنه يعني به أنه كان مربياً له ومنعماً عليه.
السؤال الثاني : ذكر يوسف عليه الصلاة والسلام في الجواب في كلامه ثلاثة أشياء :
أحدها : قوله :" مَعَاذ اللهِ ".
والثاني : قوله :﴿إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾.
والثالث : قوله :﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ فما وجه تعلُّق هذه الجوابات بعضها ببعض ".
والجواب : هذا الترتيب في غاية الحسنح لأن الأنقياد لأمر الله تعالى وتكاليفه أهم الأشياء لكثرة إنعامه، ألطافه في حق العبدِ، فقوله :﴿مَعَاذَ الله﴾ إشارة أنَّ حقَّ اللهِ يمنعُ من هذا العملِ.
وأيضاً : حقوق الخلق واجبة الرعاية، فلما كان هذا الرجل قد أنعم في حقّي، فيثبحُ معاملة [ إنعامه ] بالإساءة.
وأيضاً : صونُ النَّفسِ عن الضَّرر واجب، وهذه اللذَّة قليلة، ويتبعها خزيٌ في الدُّنيا وعذابٌ في الآخرة، وهذه اللذَّة القليلة إذا تبعها ضررٌ شديدٌ ؛ ينبغي تركها والاحتراز عنها، لقوله :﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ فهذه الجواباتُ الثلاثة مرتبة على أحسن وجوه : التريب.
السؤال الثالث : هل يدلُّ قوله عليه الصلاة والسلام " مَعاذَ اللهِ " على صحَّةِ القضاء والقدر ؟.
والجوةابُ : أنه يدل دلالة ظاهرة ؛ لأنه طلب من الله أن يعيذهُ من العمل، وتلك الإعاذة ليست عبارة من لفظ الفعل، والقدرة وإزاحة الأعذار، وإزالة الموانع وفعل الألطاف ؛ لأن كل هذا قد فعله الله تعالى، فيكونُ طلبه إمَّا طلباً لتحصيل الحاصل، أو طلباً لتحصيل الممتنع، وأنَّه محالٌ، فلعمنا أنَّ تلك الإعاذة التي طلبها يوسف من الله تعالى لا معنى لها إلا أن يخلق فيه داعية جازمة في جانب الطاعة، وأن ينزل عن قلبه داعية المعصية، وهو المطلوبُ.
ويدلُّ على ذلك : أنَّ النبي ﷺ وقع بصره على زينب قال :" يا مُقلِّبَ القُلوبِ ثَبِّتْ قَلبِي على دِينِك " وكان المراد منه تقوية داعية الطَّاعة، وإزالة داعية المعصية، فكذا وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام :" قَلْبُ المُؤمنِ بَيْنَ أصْبُعيْنِ من أصَابع الرَّحْمنِ " قال : والمراد من الأصعبين : داعية الفعل وداعية التَّركِ، وهَاتَانِ الدَّاعيتانِ لاَ يَحْصُلانِ إلا بِخلْقِ الله ت