بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى ﴿وَرَاوَدَتْهُ التى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ يعني : راودته عما أرادت عليه، مما تريد النساء من الرجال، فعلم بذكره ذكر الفاحشة، ومعناه : طلبت إليه أن يمكنها من نفسه، يعني : امرأة العزيز واسمها زليخا ﴿وَغَلَّقَتِ الأبواب﴾ عليها، وعلى يوسف، وجعلت تغره وتمازحه، ويوسف يعظها بالله، ويزجرها. ويروى عن ابن عباس، أنه قال : كان يوسف إذا تبسم، رأيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم، رأيت شعاع النور في كلامه، يذهب من بين يديه، ولا يستطيع آدمي أن ينعت نعته. فقالت له : يا يوسف ما أحسن عينيك قال : هما أول شيء يسيلان إلى الأرض من جسدي. ثم قالت : يا يوسف ما أحسن ديباج وجهك قال : هو للتراب يأكله. ثم قالت : يا يوسف ما أحسن شعرك قال : هو أول ما ينتشر من جسدي. ﴿وَقَالَتِ﴾ : يا يوسف، ﴿هَيْتَ لَكَ﴾.
قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، ﴿هَيْتَ لك﴾ بنصب الهاء والتاء، يعني : أقبل، ويقال : هلم إليّ، والعرب تقول : هيت فلان لفلان، إذا دعاه وصاح به، وهكذا قرأ ابن مسعود وابن عباس والحسن، وقرأ ابن عامر في رواية هشام ﴿***هِئْتُ﴾ بكسر الهاء والهمز وضم التاء، بمعنى تهيأت لك، وقرأ ابن كثير ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ﴾ لك بنصب الهاء وضم التاء، ومعناه أنا لك، وأنا فداؤك، وقرأ نافع وابن عامر في إحدى الروايتين ﴿هيتَ﴾ بكسر الهاء ونصب التاء، بغير همز. ﴿قَالَ مَعَاذَ الله﴾ يعني : قال يوسف : أعوذ بالله أن أعصيه وأخونه. ﴿إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ﴾ يعني : إن سيدي الذي اشتراني أحسن إكرامي، فلم أكن لأفعل بامرأته ذلك. ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ يعني : لا ينجو الزناة من عذاب الله تعالى، وفي هذه الآية دليل أن معرفة الإحسان واجب، لأن يوسف امتنع عنها لأجل شيئين لأجل المعصية والظلم، ولأجل إحسان الزوج إليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى