فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
المراودة : الإرادة والطلب برفق ولين وقيل : هي مأخوذة من الرود أي : الرفق والتأني، يقال أرودني : أمهلني ؛ وقيل : المراودة مأخوذة من راد يرود : إذا جاء وذهب. كأن المعنى : أنها فعلت في مراودتها له فعل المخادع، ومنه الرائد لمن يطلب الماء والكلأ، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال : راود فلان جاريته عن نفسها، وراودته هي عن نفسه : إذا حاول كل واحد منهما الوطء والجماع، وهي مفاعلة، وأصلها أن تكون من الجانبين، فجعل السبب هنا في أحد الجانبين قائماً مقام المسبب، فكأن يوسف عليه السلام لما كان ما أعطيه من كمال الخلق والزيادة في الحسن سبباً لمراودة امرأة العزيز له مراود. وإنما قال :﴿التي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ ولم يقل : امرأة العزيز، وزليخا قصداً إلى زيادة التقرير مع استهجان التصريح باسم المرأة والمحافظة على الستر عليها ﴿وَغَلَّقَتِ الأبواب﴾ قيل : في هذه الصيغة ما يدلّ على التكثير، فيقال : غلق الأبواب، ولا يقال : غلق الباب، بل يقال : أغلق الباب، وقد يقال : أغلق الأبواب، ومنه قول الفرزدق في أبي عمرو بن العلاء :
ما زلت أغلق أبواباً وأفتحهاحتى أتيت أبا عمرو بن عمار
قيل : وكانت الأبواب سبعة.
قوله :﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قرأ أبو عمرو، وعاصم، والكسائي، وحمزة، والأعمش بفتح الهاء وسكون الياء وفتح التاء، وبها قرأ ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وعكرمة. قال ابن مسعود : لا تنطعوا في القراءة، فإنما هو مثل قول أحدكم : هلمّ وتعال، وقرأ ابن أبي إسحاق النحوي بفتح الهاء وكسر التاء. وقرأ عبد الرحمن السلمي وابن كثير ( هيت ) بفتح الهاء وضم التاء، ومنه قول طرفة :
كيْسَ قومي بالأبعدين إذا ماقال داع من العشيرة هَيتُ
وقرأ أبو جعفر ونافع بكسر الهاء وسكون الياء وفتح التاء. وقرأ عليّ وابن عباس في رواية عنه وهشام بكسر الهاء وبعدها همزة ساكنة وضم التاء. وقرأ ابن عامر وأهل الشام بكسر الهاء وبالهمزة وفتح التاء. ومعنى «هيت » على جميع القراءات معنى هلمّ وتعال، لأنها من أسماء الأفعال إلاّ في قراءة من قرأ بكسر الهاء بعدها همزة وتاء مضمومة. فإنها بمعنى : تهيأت لك. وأنكر أبو عمرو هذه القراءة. وقال أبو عبيدة : سئل أبو عمرو عن قراءة من قرأ بكسر الهاء والهمزة وضم التاء فقال : باطل جعلها بمعنى تهيأت، اذهب فاستعرض العرب حتى تنتهي إلى اليمن، هل تعرف أحداً يقول هكذا ؟ وأنكرها أيضاً الكسائي. وقال النحاس : هي جيدة عند البصريين، لأنه يقال : هاء الرجل يهاء ويهيء هيئة، ورجح الزجاج القراءة الأولى، وأنشد بيت طرفة المذكور هيتا بالفتح، ومنه قول الشاعر في عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه :
أبلغ أمير المؤمنينأخا العراق إذا أتيتا
أن العراق وأهلهسلم إليك فهيت هيتا
وتكون اللام في ﴿لَكَ﴾ على القراءات الأولى التي هي فيها بمعنى اسم الفعل للبيان، أي : لك. أقول هذا كما في هلمّ لك. قال النحويون : هيت جاء بالحركات الثلاث : فالفتح للخفة، والكسر لالتقاء الساكنين، والضم تشبيهاً بحيث، وإذا بين باللام نحو :﴿هيت لك﴾ فهو صوت قائم مقام المصدر كأف له أي : لك أقول هذا وإن لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر الفعل فيكون اسم فعل، إما خبر أي : تهيأت، وإما أمر أي : أقبل. وقال في الصحاح : يقال : هوّت به وهيت به إذا صاح به ودعاه، ومنه قول الشاعر :
يحدو بها كل فتى هيات ***. . .
وقد روي عن ابن عباس والحسن أنها كلمة سريانية معناها أنها تدعوه إلى نفسها. قال أبو عبيدة : كان الكسائي يقول : هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز معناها تعال. قال أبو عبيدة : فسألت شيخاً عالماً من حوران فذكر أنها لغتهم. ﴿قَالَ مَعَاذَ الله﴾ أي : أعوذ بالله معاذاً مما دعوتني إليه، فهو مصدر منتصب بفعل محذوف مضاف إلى اسم الله سبحانه، وجملة ﴿إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ تعليل للامتناع الكائن منه ببعض الأسباب التي هي أقرب إلى فهم امرأة العزيز، والضمير للشأن أي : إن الشأن ربي، يعني : العزيز أي سيدي الذي رباني وأحسن مثواي حيث أمرك بقوله :﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، فكيف أخونه في أهله وأجيبك إلى ما تريدين من ذلك ؟ وقال الزجاج : إن الضمير لله سبحانه أي : إن الله ربي تولاني بلطفه فلا أركب ما حرّمه، وجملة ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ تعليل آخر للامتناع منه عن إجابتها، والفلاح : الظفر. والمعنى : أنه لا يظفر الظالمون بمطالبهم، ومن جملة الظالمين الواقعون في مثل هذه المعصية التي تطلبها امرأة العزيز من يوسف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله :﴿وَرَاوَدَتْهُ التى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَفْسِهِ﴾ قال : هي امرأة العزيز. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : راودته حين بلغ مبلغ الرجال. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله :﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قال : هلمّ لك تدعوه إلى نفسها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال : هلم لك بالقبطية، وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : هي كلمة بالسريانية أي : عليك. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : معناها تعال. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد : إنها لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ :( هئت لك ) مكسورة الهاء مضمومة التاء مهموزة قال : تهيأت لك. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله :﴿إِنَّهُ رَبّى﴾ قال : سيدي، قال : يعني زوج المرأة. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : لما همت به تزينت ثم استلقت على فراشها، ﴿وهمّ بها﴾ جلس بين رجليها يحلّ ثيابه، فنودي من السماء يا ابن يعقوب لا تكن كطائر نتف ريشه، فبقي لا ريش له، فلم يتعظ على النداء شيئاً حتى رأى برهان ربه جبريل في صورة يعقوب، عاضاً على أصبعه، ففزع فخرجت شهوته من أنامله، فوثب إلى الباب فوجده مغلقاً، فرفع يوسف رجله فضرب بها الباب الأدنى فانفرج له، واتبعته فأدركته، فوضعت يديها في قميصه فشقته حتى بلغت عضلة ساقه، فألفيا سيدها لدى الباب. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عليّ بن أبي طالب في قوله :﴿هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ قال : طمعت فيه وطمع فيها، وكان فيه من الطمع أن همّ أن يحل التكة، فقامت إلى صنم لها مكلل بالدرّ والياقوت في ناحية البيت، فسترته بثوب أبيض بينها وبينه، فقال : أيّ شيء تصنعين ؟ فقالت : أستحي من إلهي أن يراني على هذه السوءة، فقال يوسف : تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب، ولا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت ؟ ثم قال : لا تناليها مني أبداً، وهو البرهان الذي رأى. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله :﴿لَوْلا أَن رَأَى بُرْهَانَ رَبّهِ﴾ قال : مثل له يعقوب، فضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله. وقد أطال المفسرون في تعيين البرهان الذي رآه، واختلفت أقوالهم في ذلك اختلافاً كثيراً. وأخرج ابن جرير عن زيد بن ثابت قال : السيد الزوج، يعني في قوله :﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لدى الباب﴾. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد نحوه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله :﴿إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال : القيد. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله :﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا﴾ قال : صبي أنطقه الله كان في الدار. وأخرج أحمد، وابن جرير، والبيهقي، في الدلائل عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال :( تكلم أربعة وهم صغار : ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم ). وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا﴾ قال : كان رجلاً ذا لحية. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وأبو الشيخ عنه قال : كان من خاصة الملك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن قال : هو رجل له فهم وعلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال : ابن عمّ لها كان حكيماً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد قال : إنه ليس بإنسيّ ولا جنيّ هو خلق من خلق الله. قلت : ولعله لم يستحضر قوله تعالى :﴿مّنْ أَهْلِهَا﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى