تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني
عن الكتاب
قوله تعالى :( ولقد همت به وهم بها ) [ الآية ] (١)، الهم : هو المقاربة من الفعل من غير دخول فيه. وقوله :( ولقد همت به ) همها : هو عزمها على المعصية والزنا، وأما هم يوسف : فاعلم أنه قد ثبت عن عبد الله بن عباس أنه سئل عن قوله ( وهم بها ) قال : جلس منها مجلس الخاتن وحل هميانه. رواه ابن أبي مليكة، وعطاء وغيرهما. وعن مجاهد أنه قال : حلّ سراويله وجعل يعالج ثيابه. وهذا قول أكثر المتقدمين ؛ منهم : سعيد بن جبير، والحسن البصري، والضحاك وغيرهم.
[ و ] (٢) قال أبو عبيد القاسم بن سلام : وقد أنكر قوم هذا القول ؛ والقول ما قاله متقدمو هذه الأمة وهم كانوا أعلم بالله أن يقولوا في الأنبياء من غير علم. وكذلك قال ابن الأنباري، وزعم بعض المتأخرين أن الهمّ ( كان منها ) (٣) : هو العزيمة على المعصية، وأما الهم منه : كان خاطر القلب وشدة المحبة بالشهوة.
وفي القصة : أن المرأة قالت له : ما أحسن عينيك، فقال : هي أول ما تسيل من وجهي في قبري، فقالت : ما أحسن شعرك، فقال : هو أول ما ينشر في قبري، فقالت إن فراش الحرير مبسوط فقم فاقض حاجتي، فقال : إذا يذهب نصيبي من الجنة، فقالت : إن الجُنينة عطِشة فقم فاسقها، فقال : إن المفتاح بيد غيري، قال : فجاء الشيطان ودخل بينهما وأخذ يحنكه وحنكها حتى همت به وهم بها، ثم إن الله تعالى تدارك عبده ونبيه بالبرهان الذي ذكره. وقال قطرب : معنى قوله :( وهم بها ) أي : وهم بها لولا أن رأى برهان ربه(٤).
وأنكر سائر النحاة عليه هذا القول، وقالوا إن العرب لا تؤخر لولا عن الفعل، وإنما كلام العرب هو التقديم فحسب، فإنهم يقولون : لولا كذا لفعلت كذا، ولا يقولون، فعلت كذا لولا كذا. وقال بعضهم :" وهم بها " أي : بضربها ودفعها عن نفسه، وهو تأويل بعيد. وقال بعض أهل التفسير : يحتمل أن ذلك القدر الذي فعله يوسف من الهم كان في تلك الشريعة من الصغائر يجوز على الأنبياء. قال الحسن البصري : إن الله تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء في القرآن ليعيرهم بها ؛ ولكن ذكرها ليبين موقع النعمة عليهم بالعفو، ولئلا ييأس أحد من رحمته وقيل : إنه ابتلاهم بالذنوب ليتفرد بالطهارة والعزة، ويلقاه جميع الخلق يوم القيامة على انكسار المعصية. وقوله :( لولا أن رأى برهان ربه ) أكثر أهل التفسير : أنه رأى يعقوب صلوات الله عليه [ صكه ] (٥) في صدره وهو يقول له : أتعمل عمل السفهاء وأنت في ديوان الأنبياء ؟ !
وروى ليث، عن ابن عباس أنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته فرأى كفا بلا معصم ولا عضد مكتوب عليها :( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين ) (٦) ففزع وهرب، ثم إنه عاد، فظهر ذلك الكف مكتوبا عليها :( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) (٧) ففزع وهرب، ثم إنه عاد فرأى ذلك الكف أيضا مكتوبا عليها :( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) (٨) ففزع وهرب، ثم إنه عاد ؛ فقال الله لجبريل : أدرك عبدي قبل أن يواقع الخطيئة، فجاء ومسحه بجناحه حتى خرجت شهوته من أنامله.
وقال جعفر بن محمد الصادق : معنى البرهان : أنه كان في البيت صنم فقامت المرأة وسترته بثوب، فقال لها يوسف : لم فعلت هذا ؟ فقالت : استحييت منه أن يراني وأنا أواقع المعصية، فقال يوسف : أنا أحق أن أستحي من ربي، وهرب.
وقال محمد بن كعب القرظي : البرهان : هو أن الله تعالى أخطر بقلب يوسف حرمة الزنا، وشدة العقوبة عليه، فهرب وترك. وأورد النقاش أنه لما قرب منها رأى شعرة بيضاء في أنفها فعافها وتركها. وهذا قول بعيد ؛ والأصح من هذه الأقوال : الأول.
وقد روي أن يعقوب صلوات الله عليه لما تمثل له صك في صدره وقال : يا يوسف أنت قبل أن تزني كالطير في جو السماء [ ولا تطاق ] (٩)، فإذا زنيت فأنت كالطير يسقط ويموت، وأنت قبل أن تزني كالثور لا يطاق، فإذا زنيت صرت كالثور يهلك فيدخل النمل في ( أصول ) (١٠) قرنه.
وقوله :( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) السوء : هو الثناء القبيح، والفحشاء : هو مواقعة الزنا. فإن قيل : هذا دليل على أنه لم يهم بالزنا ولم يقصده، قلنا : لا، هذا بعد الهم. فإن قيل : أليس قد قال في أثناء السورة :( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) (١١) ؟ قلنا : قد ثبت عن النبي ﷺ :«أن يوسف لما قال هذا، قال له جبريل : ولا حين هممت ؟ فقال : وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء »(١٢).
قوله :( إنه من عبادنا المخلصين ) قرئ :" المخلَصين " و " المخلِصين " ومعنى المخلِص : هو الذي يخلص الطاعة لله، ومعنى المخلَص : هو الذي أخلصه الله واختاره.
[ و ] (٢) قال أبو عبيد القاسم بن سلام : وقد أنكر قوم هذا القول ؛ والقول ما قاله متقدمو هذه الأمة وهم كانوا أعلم بالله أن يقولوا في الأنبياء من غير علم. وكذلك قال ابن الأنباري، وزعم بعض المتأخرين أن الهمّ ( كان منها ) (٣) : هو العزيمة على المعصية، وأما الهم منه : كان خاطر القلب وشدة المحبة بالشهوة.
وفي القصة : أن المرأة قالت له : ما أحسن عينيك، فقال : هي أول ما تسيل من وجهي في قبري، فقالت : ما أحسن شعرك، فقال : هو أول ما ينشر في قبري، فقالت إن فراش الحرير مبسوط فقم فاقض حاجتي، فقال : إذا يذهب نصيبي من الجنة، فقالت : إن الجُنينة عطِشة فقم فاسقها، فقال : إن المفتاح بيد غيري، قال : فجاء الشيطان ودخل بينهما وأخذ يحنكه وحنكها حتى همت به وهم بها، ثم إن الله تعالى تدارك عبده ونبيه بالبرهان الذي ذكره. وقال قطرب : معنى قوله :( وهم بها ) أي : وهم بها لولا أن رأى برهان ربه(٤).
وأنكر سائر النحاة عليه هذا القول، وقالوا إن العرب لا تؤخر لولا عن الفعل، وإنما كلام العرب هو التقديم فحسب، فإنهم يقولون : لولا كذا لفعلت كذا، ولا يقولون، فعلت كذا لولا كذا. وقال بعضهم :" وهم بها " أي : بضربها ودفعها عن نفسه، وهو تأويل بعيد. وقال بعض أهل التفسير : يحتمل أن ذلك القدر الذي فعله يوسف من الهم كان في تلك الشريعة من الصغائر يجوز على الأنبياء. قال الحسن البصري : إن الله تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء في القرآن ليعيرهم بها ؛ ولكن ذكرها ليبين موقع النعمة عليهم بالعفو، ولئلا ييأس أحد من رحمته وقيل : إنه ابتلاهم بالذنوب ليتفرد بالطهارة والعزة، ويلقاه جميع الخلق يوم القيامة على انكسار المعصية. وقوله :( لولا أن رأى برهان ربه ) أكثر أهل التفسير : أنه رأى يعقوب صلوات الله عليه [ صكه ] (٥) في صدره وهو يقول له : أتعمل عمل السفهاء وأنت في ديوان الأنبياء ؟ !
وروى ليث، عن ابن عباس أنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته فرأى كفا بلا معصم ولا عضد مكتوب عليها :( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين ) (٦) ففزع وهرب، ثم إنه عاد، فظهر ذلك الكف مكتوبا عليها :( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) (٧) ففزع وهرب، ثم إنه عاد فرأى ذلك الكف أيضا مكتوبا عليها :( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) (٨) ففزع وهرب، ثم إنه عاد ؛ فقال الله لجبريل : أدرك عبدي قبل أن يواقع الخطيئة، فجاء ومسحه بجناحه حتى خرجت شهوته من أنامله.
وقال جعفر بن محمد الصادق : معنى البرهان : أنه كان في البيت صنم فقامت المرأة وسترته بثوب، فقال لها يوسف : لم فعلت هذا ؟ فقالت : استحييت منه أن يراني وأنا أواقع المعصية، فقال يوسف : أنا أحق أن أستحي من ربي، وهرب.
وقال محمد بن كعب القرظي : البرهان : هو أن الله تعالى أخطر بقلب يوسف حرمة الزنا، وشدة العقوبة عليه، فهرب وترك. وأورد النقاش أنه لما قرب منها رأى شعرة بيضاء في أنفها فعافها وتركها. وهذا قول بعيد ؛ والأصح من هذه الأقوال : الأول.
وقد روي أن يعقوب صلوات الله عليه لما تمثل له صك في صدره وقال : يا يوسف أنت قبل أن تزني كالطير في جو السماء [ ولا تطاق ] (٩)، فإذا زنيت فأنت كالطير يسقط ويموت، وأنت قبل أن تزني كالثور لا يطاق، فإذا زنيت صرت كالثور يهلك فيدخل النمل في ( أصول ) (١٠) قرنه.
وقوله :( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) السوء : هو الثناء القبيح، والفحشاء : هو مواقعة الزنا. فإن قيل : هذا دليل على أنه لم يهم بالزنا ولم يقصده، قلنا : لا، هذا بعد الهم. فإن قيل : أليس قد قال في أثناء السورة :( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) (١١) ؟ قلنا : قد ثبت عن النبي ﷺ :«أن يوسف لما قال هذا، قال له جبريل : ولا حين هممت ؟ فقال : وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء »(١٢).
قوله :( إنه من عبادنا المخلصين ) قرئ :" المخلَصين " و " المخلِصين " ومعنى المخلِص : هو الذي يخلص الطاعة لله، ومعنى المخلَص : هو الذي أخلصه الله واختاره.
١ - من "ك"..
٢ - ليست في "ك"..
٣ - في "ك": منها كان..
٤ - يعني على التقديم والتأخير، أي: لولا أن رأى برهان ربه؛ لهم بها..
٥ - في "الأصل" : صك..
٦ - الانفطار: ١٠-١١..
٧ - الإسراء: ٣٢..
٨ - البقرة: ٢٨١..
٩ - في "الأصل": لا يطاق..
١٠ - في "ك": أول..
١١ - يوسف: ٥٢..
١٢ - رواه البيهقي في الزهد الكبير (ص ١٥٠ رقم ٣١٥) من حديث أنس، وعزاه السيوطي في الدر (٤/٢٦) للحاكم في التاريخ، وابن مردويه والديلمي، عن أنس. وقد روى من غير وجه، انظر الدر المنثور..
٢ - ليست في "ك"..
٣ - في "ك": منها كان..
٤ - يعني على التقديم والتأخير، أي: لولا أن رأى برهان ربه؛ لهم بها..
٥ - في "الأصل" : صك..
٦ - الانفطار: ١٠-١١..
٧ - الإسراء: ٣٢..
٨ - البقرة: ٢٨١..
٩ - في "الأصل": لا يطاق..
١٠ - في "ك": أول..
١١ - يوسف: ٥٢..
١٢ - رواه البيهقي في الزهد الكبير (ص ١٥٠ رقم ٣١٥) من حديث أنس، وعزاه السيوطي في الدر (٤/٢٦) للحاكم في التاريخ، وابن مردويه والديلمي، عن أنس. وقد روى من غير وجه، انظر الدر المنثور..