الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿مُتَّكَئاً﴾ العامَّةُ على ضم الميم وتشديدِ التاءِ وفَتْحِ الكاف والهمز، وهو مفعولٌ به بأَعْتَدَتْ، أي : هَيَّأَتْ وأَحْضَرَتْ. والمتَّكأ الشيءُ الذي يُتَّكَأُ عليه من وسادةٍ ونحوها. وقيل : المتكأ : مكان الاتِّكاء. وقيل : طعام يُحَزُّ حَزَّاً وهو قول مجاهد. قال القتبيُّ :" يُقال : اتَّكَأْنا عند فلانٍ، أي : أَكَلْنا ".
قال الزمخشري :" مِنْ قولك : اتَّكَأْنا عند فلان : طَعِمنا، على سبيل الكناية ؛ لأنه مِنْ " دَعَوْتَه ليَطْعَمَ عندك " : اتخذتَ له تُكَأَة يتكِىء عليها. قال جميل :
انتهى. قلت : فقوله :" وشَرِبْنا " مُرَشِّح لمعنى اتَّكَأْنا بأكلنا.
وقرأ أبو جعفر والزهري " مُتَّكَا " مشدد التاء دون همزٍ وفيه وجهان، أحدهما : أن يكونَ أصلُه مُتَّكأ كقراءة العامَّة وإنما خُفِّفَ همزُه كقولهم تَوَضَّيْتُ في تَوَضَّأْتُ، فصار بزنة مُتَّقَى. والثاني : أن يكونَ مُفْتَعَلاً مِنْ أَوْكَيْتُ القِرْبة إذا شَدَدْتَ فاها بالوِكاء، فالمعنى : أَعْتَدَتْ شيئاً يَشْتَدِدْن عليه : إمَّا بالاتِّكاء وإمَّا بالقطع بالسكين، وهذا الثاني تخريج أبي الفتح.
وقرأ الحسن وابن هرمز " مُتَّكاءً " بالتشديد والمدِّ، وهي كقراءةِ العامَّة إلا أنه أشبع الفتحة فتولَّد منها ألفٌ كقوله :
٢٧٧٢. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ومِنْ ذَمِّ الرجالِ بمنتزاحِ
وقوله :
٢٧٧٣ يَنْباع مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله :
أي : بمنتزح ويَنْبَع والعقرب الشائلة.
وقرأ ابن عباس وابن عمر ومجاهد وقتادة/ والضحاك والجحدري وأبان بن تغلب " مُتْكَاً " بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف، وكذلك قرأ ابن هرمز وعبد اللَّه ومعاذ، إلا أنهما فتحا الميم. والمُتْكُ بالضم والفتح الأُتْرُجُّ، ويقال الأُتْرُنْجُ لغتان، وأنشدوا :
وقيل : بل هو اسم لجميع ما يُقطع بالسكين كالأُتْرُجِّ وغيره من الفواكه، ونشدوا :
قيل : وهو مِنْ مَتَك بمعنى بَتَك الشيءَ، أي : قطعه، فعلى هذا يحتمل أن تكونَ الميم بدلاً من الباء وهو بدل مُطَّرد في لغة قومٍ، واحتُمِل أن يكونَ من مادةٍ أخرى وافَقَتْ هذه. وقيل : بالضم العسلُ الخالص عند الخليل، والأُتْرُجُّ عند الأصمعي. ونقل أبو عمرو فيه اللغات الثلاث، أعني ضمَّ الميمِ وفتحَها وكسرَها قال : وهو الشرابُ الخالص.
وقال المفضل : هو بالضم المائدة، أو الخمر في لغة كِنْدة.
وقوله :﴿لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾ : إمَّا أَنْ يريدَ كل واحدةٍ مُتَّكَأً، ويَدُلُّ له قوله :﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً﴾، وإمَّا أن يريدَ الجنس.
والسِّكِّين يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ، قاله الكسائي والفراء، وأنكر الأصمعي تأنيثه. والسَّكِينة فَعِيلة من السكون. وقال الراغب :" سُمِّي به لإِزالتهِ حركةَ المذبوح ".
قوله :﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ الظاهر أن الهاء ضمير يوسف. ومعنى أَكْبَرْنَه عَظَّمْنه ودُهِشْن مِنْ حُسْنه. وقيل : هي هاء السكت. قال الزمخشري :" وقيل : أَكْبَرْنَ بمعنى " حِضْنَ " والهاء للسكت، يقال : أَكْبَرَتِ المرأةُ إذا حاضَتْ، وحقيقتُه : دَخَلَتْ في الكِبَر ؛ لأنها بالحيض تخرُجُ مِنْ حَدِّ الصِّغَرِ إلى الكِبَرِ، وكأنَّ أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قولَه :
انتهى. وكونُ الهاء للسكتِ يَرُدُّه ضمُّ الهاءِ، ولو كانت للسكت لَسَكَنَتْ وقد يقال : إنه أَجْراها مُجْرى هاء الضمير، وأَجْرى الوصلَ مُجْرى الوقف في إثباتها. قال الشيخ :" وإجماعُ القَّراء على ضمِّ الهاء في الوصل دليلٌ على أنها ليسَتْ هاءَ السكت ؛ إذ لو كانت هاءَ السكت وكان من إجراء الوصلِ مُجْرى الوقفِ لم يضمَّ الهاء ". قلت : وهاء السكت تُحَرَّك بحركةِ هاءِ الضمير إجراءً لها مُجْراها، وقد حَقَّقْتُ هذا في الأنعام، وقد قالوا ذلك في قول المتنبي أيضاً :
٢٧٧٨ واحَرَّ قلباه مِمِّنْ قَلْبُه شَبِمُ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنه رُوِي بضمِّ الهاء في " قلبها " وجعلوها هاءَ سكتٍ. ويمكن أن يكون " أَكْبَرْنَ " بمعنى حِضْنَ ولا تكون الهاءُ للسَّكْت، بل تُجْعل ضميرَ المصدرِ المدلولِ عليه بفعله أي : أَكْبَرْنَ الإِكبار، وأنشدوا على أن الإِكبارَ بمعنى الحيض قولَه :
قال الطبري :" البيت مصنوعٌ ".
قوله :﴿حَاشَ للَّهِ﴾ " حاشى " عَدَّها النحويون من الأدوات المترددةِ بين الحرفية والفعلية فإنْ جَرَّتْ فهي حرفٌ، وإنْ نَصَبَتْ فهي فعلٌ، وهي من أدواتِ الاستثناء ولم يَعْرف سيبويه فعليَّتها وعَرَفَها غيرُه، وحَكَوا عن العرب " غَفَر اللَّه لي ولِمنْ سمع دعائي حاشى الشيطانَ وابنَ الأصبغ " بالنصب، وأنشدوا :
بنصب " رَهْط ". و " حَشَى " لغةٌ في حاشى كما سيأتي. وقال الزمخشري :" حاشَى كلمةٌ تفيد التنزيه في باب الاستثناء تقول : أساءَ القومُ حاشى زيدٍ قال :
وهي حرفٌ من حروف الجر فوُضِعَتْ موضعَ التنزيه والبراءة، فمعنى حاشَى اللَّهِ : براءة اللَّهِ وتنزيه اللَّه، وهي قراءة ابن مسعود ". قال الشيخ :" وما ذكر أنها تفيد التنزيهَ في باب الاستثناء غير معروف عند النحويين، لا فرقَ بين قولك :" قام القومُ إلا زيداً " و " قام القوم حاشى زيدٍ "، ولَمَّا مَثَّل بقوله :" أساء القومُ حاشى زيدٍ " وفَهِم هو من هذا التمثيلِ براءةَ زيدٍ من الإِساءة جعل ذلك مستفاداً منها في كل موضعٍ، وأمَّا ما أنشده مِنْ قوله : حاشا أبي ثوبان، فهكذا ينشده ابن عطية وأكثرُ النحاة، وهو بيتٌ ركَّبوا فيه صدرَ بيتٍ على عجز آخَرَ وَهْماً من بيتين، وهما :/
قلت : قوله " إنَّ المعنى الذي ذكره الزمخشري لا يعرفه النحاة لم ينكروه وإنما لم يذكروه في كتبهم ؛ لأنهم غالبُ فنهم في صناعة الألفاظ دون المعاني، ولمَّا ذكروا مع أدواتِ الاستثناء " ليس " و " لا يكون " و " غير " لم يذكروا معانيهَا، إذ مرادُهم مساواتُها ل " إلا " في الإِخراج وذلك لا يمنعُ من زيادةِ معنى في تلك الأدوات.
وزعم المبرد وغيره كابن عطية أنها تتعيَّنُ فعليَّتُها إذا وقع بعدها حرفُ جر كالآية الكريمة، قالوا لأن حرفَ الجرِّ لا يدخل على مثله إلا تأكيداً كقوله :
٢٧٨٣. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ولا لِلِما بهم أبداً دواءُ
وقول الآخر :
٢٧٨٤ فأَصْبَحْنَ لا يَسْأَلْنني عن بما به ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتعيَّن أن تكونَ فعلاً، فاعلُه ضمير يوسف أي : حاشى يوسف، و " للَّه " جارٌّ ومجرورٌ متعلقٌ بالفعل قبله، واللامُ تفيد العلةَ أي : حاشى يوسفَ أن يقارِفَ ما رَمَتْه به لطاعة اللَّه ولمكانه منه أو لترفيع اللَّه أن يُرمَى بما رَمَتْه به، أي : جانَبَ المعصيةَ لأجل اللَّه.
وأجاب الناسُ عن ذلك بأنَّ حاشى في الآية الكريمة ليست حرفاً ولا فعلاً، وإنما هي اسمُ مصدرٍ بدلٌ من اللفظة بفعله كأنه قيل : تنزيهاً للَّه وبراءةً له، وإنما لم يُنَوَّنْ مراعاةً لأصله الذي نُقِل منه وهو الحرف، ألا تراهم قالوا : مِنْ عن يمينه فجعلوا " عن " اسماً ولم يُعْربوه، وقالوا " مِنْ عليه " فلم يُثْبتوا ألفه مع المضمر، بل أَبْقَوا " عن " على بنائه، وقلبوا ألف " على " مع المضمر، مراعاةً لأصلها، كذا أجاب الزمخشري، وتابعه الشيخُ ولم يَعْزُ له الجواب. وفيه نظر.
أمَّا قوله :" مراعاة لأصله " فيقتضي أنه نُقِل من الحرفية إلى الاسمية، وليس ذلك إلا في جانب الأعلام، يعني أنهم يُسَمُّون الشخصَ بالحرف، ولهم في ذلك مذهبان : الإِعرابُ والحكاية، أمَّا أنَّهم ينقلون الحرف إلى الاسم، أي : يجعلونه اسماً فهذا غيرُ معروفٍ. وأمَّا استشهادُه ب " عن " و " على " فلا يفيده ذلك ؛ لأنَّ " عن " حالَ كونِها اسماً إنما بُنيت لشبهها بالحرفِ في الوضع على حرفين لا أنها باقيةٌ على بنائها.
وأمَّا قَلْبُ ألفِ " على " مع الضمير فلا دلالة فيه لأنَّا عَهدنا ذلك فيما هو ثابتُ الاسمية بالاتفاق ك " لدى ".
والأَوْلى أن يقال : الذي يظهر في الجواب عن قراءةِ العامة أنها اسمُ منصوبٌ كما تقدَّم تقريره، ويدلُّ عليه قراءة أبي السمَّال " حاشاً للَّه " منصوباً، ولكنهم أَبْدلوا التنوين ألفاً كما يبدلونه في الوقف، ثم إنهم أَجْروا الوصل مجرى الوقف كما فعلوا ذلك في مواضعَ كثيرةٍ تقدَّم منها جملةٌ وسيمر بك مثلها.
وقيل في الجواب عن ذلك : بل بُنيت " حاشا " في حال اسميتها لشبهها ب " حاشا " في حال حرفيَّتها لفظاً ومعنى، كما بُنِيَتْ " عن " و " على " لما ذكرنا.
وقال بعضُهم : إنَّ اللامَ زائدةٌ. وهذا ضعيفٌ جداً بابُه الشعرُ. واسْتَدَلَّ المبرد وأتباعُه على فعليتها بمجيء المضارعِ منها. قال النابغة الذبياني :
قالوا : وتَصَرُّفُ الكلمةِ من الماضي إلى المستقبل دليلُ فعليَّتها لا محالةَ.
وقد أجاب الجمهور عن ذلك : بأنَّ ذلك مأخوذٌ من لفظِ الحرفِ كما قالوا :" سَوَّفْتُ بزيد " و " لَوْلَيْت له "، أي : قلت له : سوف أفعلُ. وقلت له : لو كان ولو كان، وهذا من ذلك، وهو محتمل.
وممَّن رَجَّح جانبَ الفعلية أبو علي الفارسي قال :" لا تَخْلو " حاش " في قوله :" حاش للَّه " من أن تكونَ الحرفَ الجارَّ في الاستثناء، أو تكون فعلاً على فاعَل، ولا يجوز أن تكونَ الحرفَ الجارَّ لأنه لا يدخل على مثله، ولأن الحروفَ لا يُحْذَفُ منها إذ لم يكن فيها تضعيف، فثبت أنه فاعَل مِن الحشا الذي يُراد به الناحية، والمعنى : أنه صار في حَشَاً، أي في ناحية، وفاعل " حاش " " يوسف " والتقدير : بَعُدَ من هذا الأمرِ للَّه، أي : لخوفِه ".
قوله :" حرفُ الجر لا يدخل على مثله " مُسَلَّم، ولكن ليس هو هنا حرفَ جر كما تقدَّم تقريرُه. وقوله :" لا يُحْذف من الحرفِ إلا إذا كان مضعفاً " ممنوع، ويدلُّ له قولهم " مُنْ " في " منذ " إذا جُرَّ بها، فحذفوا عينها ولا تضعيفَ. قالوا : ويدلُّ على أنَّ أصل
قال الزمخشري :" مِنْ قولك : اتَّكَأْنا عند فلان : طَعِمنا، على سبيل الكناية ؛ لأنه مِنْ " دَعَوْتَه ليَطْعَمَ عندك " : اتخذتَ له تُكَأَة يتكِىء عليها. قال جميل :
| ٢٧٧١ فَظَلِلْنا بنعمةٍ واتَّكَأْنا | وشَرِبْنا الحَلالَ مِنْ قُلَلِهْ " |
وقرأ أبو جعفر والزهري " مُتَّكَا " مشدد التاء دون همزٍ وفيه وجهان، أحدهما : أن يكونَ أصلُه مُتَّكأ كقراءة العامَّة وإنما خُفِّفَ همزُه كقولهم تَوَضَّيْتُ في تَوَضَّأْتُ، فصار بزنة مُتَّقَى. والثاني : أن يكونَ مُفْتَعَلاً مِنْ أَوْكَيْتُ القِرْبة إذا شَدَدْتَ فاها بالوِكاء، فالمعنى : أَعْتَدَتْ شيئاً يَشْتَدِدْن عليه : إمَّا بالاتِّكاء وإمَّا بالقطع بالسكين، وهذا الثاني تخريج أبي الفتح.
وقرأ الحسن وابن هرمز " مُتَّكاءً " بالتشديد والمدِّ، وهي كقراءةِ العامَّة إلا أنه أشبع الفتحة فتولَّد منها ألفٌ كقوله :
٢٧٧٢. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ومِنْ ذَمِّ الرجالِ بمنتزاحِ
وقوله :
٢٧٧٣ يَنْباع مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله :
| ٢٧٧٤ أَعوذُ باللَّه مِنَ العَقْرابِ | الشَّائِلاتِ عُقَدَ الأَذْنابِ |
وقرأ ابن عباس وابن عمر ومجاهد وقتادة/ والضحاك والجحدري وأبان بن تغلب " مُتْكَاً " بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف، وكذلك قرأ ابن هرمز وعبد اللَّه ومعاذ، إلا أنهما فتحا الميم. والمُتْكُ بالضم والفتح الأُتْرُجُّ، ويقال الأُتْرُنْجُ لغتان، وأنشدوا :
| ٢٧٧٥ فَأَهْدَتْ مُتْكَةً لبني أبيها | تَخُبُّ بها العَثَمْثَمَةُ الوَقاحُ |
| ٢٧٧٦ نَشْرَبُ الإِثمَ بالصُّواعِ جِهاراً | وترى المُتْكَ بيننا مُسْتعارا |
وقال المفضل : هو بالضم المائدة، أو الخمر في لغة كِنْدة.
وقوله :﴿لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾ : إمَّا أَنْ يريدَ كل واحدةٍ مُتَّكَأً، ويَدُلُّ له قوله :﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً﴾، وإمَّا أن يريدَ الجنس.
والسِّكِّين يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ، قاله الكسائي والفراء، وأنكر الأصمعي تأنيثه. والسَّكِينة فَعِيلة من السكون. وقال الراغب :" سُمِّي به لإِزالتهِ حركةَ المذبوح ".
قوله :﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ الظاهر أن الهاء ضمير يوسف. ومعنى أَكْبَرْنَه عَظَّمْنه ودُهِشْن مِنْ حُسْنه. وقيل : هي هاء السكت. قال الزمخشري :" وقيل : أَكْبَرْنَ بمعنى " حِضْنَ " والهاء للسكت، يقال : أَكْبَرَتِ المرأةُ إذا حاضَتْ، وحقيقتُه : دَخَلَتْ في الكِبَر ؛ لأنها بالحيض تخرُجُ مِنْ حَدِّ الصِّغَرِ إلى الكِبَرِ، وكأنَّ أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قولَه :
| ٢٧٧٧ خَفِ اللَّهَ واسْتُرْ ذا الجمالَ ببُرْقُعٍ | فإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخُدورِ العواتِقُ |
٢٧٧٨ واحَرَّ قلباه مِمِّنْ قَلْبُه شَبِمُ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنه رُوِي بضمِّ الهاء في " قلبها " وجعلوها هاءَ سكتٍ. ويمكن أن يكون " أَكْبَرْنَ " بمعنى حِضْنَ ولا تكون الهاءُ للسَّكْت، بل تُجْعل ضميرَ المصدرِ المدلولِ عليه بفعله أي : أَكْبَرْنَ الإِكبار، وأنشدوا على أن الإِكبارَ بمعنى الحيض قولَه :
| ٢٧٧٩ يأتي النساءَ على أَطْهارِهِنَّ ولا | يأتي النساءَ إذا أَكْبَرْن إكبارا |
قوله :﴿حَاشَ للَّهِ﴾ " حاشى " عَدَّها النحويون من الأدوات المترددةِ بين الحرفية والفعلية فإنْ جَرَّتْ فهي حرفٌ، وإنْ نَصَبَتْ فهي فعلٌ، وهي من أدواتِ الاستثناء ولم يَعْرف سيبويه فعليَّتها وعَرَفَها غيرُه، وحَكَوا عن العرب " غَفَر اللَّه لي ولِمنْ سمع دعائي حاشى الشيطانَ وابنَ الأصبغ " بالنصب، وأنشدوا :
| ٢٧٨٠ حَشَى رَهْطَ النبيِّ فإنَّ منهمْ | بُحوراً لا تكدِّرُها الدِّلاءُ |
| ٢٧٨١ حاشى أبي ثوبانَ إنَّ بهِ | ضِنَّاً عنِ المَلْحاة والشَّتْم |
| ٢٧٨٢ حاشى أبي ثَوْبان إنَّ أبا | ثَوْبانَ ليس ببُكْمَةٍ فَدْمِ |
| عمرَو بنَ عبدِ اللَّه إنَّ به | ضِنَّاً عن المَلْحاةِ والشَّتْمِ |
وزعم المبرد وغيره كابن عطية أنها تتعيَّنُ فعليَّتُها إذا وقع بعدها حرفُ جر كالآية الكريمة، قالوا لأن حرفَ الجرِّ لا يدخل على مثله إلا تأكيداً كقوله :
٢٧٨٣. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ولا لِلِما بهم أبداً دواءُ
وقول الآخر :
٢٧٨٤ فأَصْبَحْنَ لا يَسْأَلْنني عن بما به ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتعيَّن أن تكونَ فعلاً، فاعلُه ضمير يوسف أي : حاشى يوسف، و " للَّه " جارٌّ ومجرورٌ متعلقٌ بالفعل قبله، واللامُ تفيد العلةَ أي : حاشى يوسفَ أن يقارِفَ ما رَمَتْه به لطاعة اللَّه ولمكانه منه أو لترفيع اللَّه أن يُرمَى بما رَمَتْه به، أي : جانَبَ المعصيةَ لأجل اللَّه.
وأجاب الناسُ عن ذلك بأنَّ حاشى في الآية الكريمة ليست حرفاً ولا فعلاً، وإنما هي اسمُ مصدرٍ بدلٌ من اللفظة بفعله كأنه قيل : تنزيهاً للَّه وبراءةً له، وإنما لم يُنَوَّنْ مراعاةً لأصله الذي نُقِل منه وهو الحرف، ألا تراهم قالوا : مِنْ عن يمينه فجعلوا " عن " اسماً ولم يُعْربوه، وقالوا " مِنْ عليه " فلم يُثْبتوا ألفه مع المضمر، بل أَبْقَوا " عن " على بنائه، وقلبوا ألف " على " مع المضمر، مراعاةً لأصلها، كذا أجاب الزمخشري، وتابعه الشيخُ ولم يَعْزُ له الجواب. وفيه نظر.
أمَّا قوله :" مراعاة لأصله " فيقتضي أنه نُقِل من الحرفية إلى الاسمية، وليس ذلك إلا في جانب الأعلام، يعني أنهم يُسَمُّون الشخصَ بالحرف، ولهم في ذلك مذهبان : الإِعرابُ والحكاية، أمَّا أنَّهم ينقلون الحرف إلى الاسم، أي : يجعلونه اسماً فهذا غيرُ معروفٍ. وأمَّا استشهادُه ب " عن " و " على " فلا يفيده ذلك ؛ لأنَّ " عن " حالَ كونِها اسماً إنما بُنيت لشبهها بالحرفِ في الوضع على حرفين لا أنها باقيةٌ على بنائها.
وأمَّا قَلْبُ ألفِ " على " مع الضمير فلا دلالة فيه لأنَّا عَهدنا ذلك فيما هو ثابتُ الاسمية بالاتفاق ك " لدى ".
والأَوْلى أن يقال : الذي يظهر في الجواب عن قراءةِ العامة أنها اسمُ منصوبٌ كما تقدَّم تقريره، ويدلُّ عليه قراءة أبي السمَّال " حاشاً للَّه " منصوباً، ولكنهم أَبْدلوا التنوين ألفاً كما يبدلونه في الوقف، ثم إنهم أَجْروا الوصل مجرى الوقف كما فعلوا ذلك في مواضعَ كثيرةٍ تقدَّم منها جملةٌ وسيمر بك مثلها.
وقيل في الجواب عن ذلك : بل بُنيت " حاشا " في حال اسميتها لشبهها ب " حاشا " في حال حرفيَّتها لفظاً ومعنى، كما بُنِيَتْ " عن " و " على " لما ذكرنا.
وقال بعضُهم : إنَّ اللامَ زائدةٌ. وهذا ضعيفٌ جداً بابُه الشعرُ. واسْتَدَلَّ المبرد وأتباعُه على فعليتها بمجيء المضارعِ منها. قال النابغة الذبياني :
| ٢٧٨٥ ولا أَرى فاعِلاً في الناسِ يُشْبِهُهُ | ولا أُحاشي من الأقوامِ مِنْ أَحَدِ |
وقد أجاب الجمهور عن ذلك : بأنَّ ذلك مأخوذٌ من لفظِ الحرفِ كما قالوا :" سَوَّفْتُ بزيد " و " لَوْلَيْت له "، أي : قلت له : سوف أفعلُ. وقلت له : لو كان ولو كان، وهذا من ذلك، وهو محتمل.
وممَّن رَجَّح جانبَ الفعلية أبو علي الفارسي قال :" لا تَخْلو " حاش " في قوله :" حاش للَّه " من أن تكونَ الحرفَ الجارَّ في الاستثناء، أو تكون فعلاً على فاعَل، ولا يجوز أن تكونَ الحرفَ الجارَّ لأنه لا يدخل على مثله، ولأن الحروفَ لا يُحْذَفُ منها إذ لم يكن فيها تضعيف، فثبت أنه فاعَل مِن الحشا الذي يُراد به الناحية، والمعنى : أنه صار في حَشَاً، أي في ناحية، وفاعل " حاش " " يوسف " والتقدير : بَعُدَ من هذا الأمرِ للَّه، أي : لخوفِه ".
قوله :" حرفُ الجر لا يدخل على مثله " مُسَلَّم، ولكن ليس هو هنا حرفَ جر كما تقدَّم تقريرُه. وقوله :" لا يُحْذف من الحرفِ إلا إذا كان مضعفاً " ممنوع، ويدلُّ له قولهم " مُنْ " في " منذ " إذا جُرَّ بها، فحذفوا عينها ولا تضعيفَ. قالوا : ويدلُّ على أنَّ أصل