البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
فقال : رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه.
فأسند الفعل إليهن لما ينصحن له وزين له مطاوعتها، ونهينه عن الفاء نفسه في السجن والصغار، فالتجأ إلى الله تعالى.
والتقدير : دخول السجن.
وقرأ عثمان، ومولاه طارق، وزيد بن علي، والزهري، وابن أبي إسحاق، وابن هرمز، ويعقوب : السجن بفتح السين وهو مصدر سجن أي : حبسهم إياي في السجن أحب إليّ وأحب هنا ليست على بابها من التفضيل، لأنه لم يحب ما يدعونه إليه قط، وإنما هذان شران، فآثر أحد الشرّين على الآخر، وإن كان في أحدهما مشقة وفي الآخر لذة، لكن لما يترتب على تلك اللذة من معصية الله وسوء العاقبة، ولم يخطر له ببال.
ولما في الآخر من احتمال المشقة في ذات الله، والصبر على النوائب، وانتظار الفرج، والحضور مع الله تعالى في كل وقت داعياً له في تخليصه.
آثره ثم ناط العصمة بالله، واستسلم لله كعادة الأنبياء والصالحين، وأنه تعالى لا يصرف السوء إلا هو.
فقال : وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن أي : أمل إلى ما يدعونني إليه.
وجعل جواب الشرط قوله : أصب، وهي كلمة مشعرة بالميل فقط، لا بمباشرة المعصية.
وقرئ أصب إليهن من صببت صبابة فأنا صب، والصبابة إفراط الشوق، كأنه ينصب فيما يهوي.
وقراءة الجمهور : أصب من صبا إلى اللهو يصبو صباً وصبوّا، ويقال : صبا يصبا صباً، والصبا بالكسر اللهو واللعب.
وأكن من الجاهلين من الذين لا يعلمون بما، لأن من لا جدوى لعلمه فهو ومن لا يعلم سواء، أو من السفهاء لأنّ الوقوع في موافقة النساء والميل إليهن سفاهة.
قال الشاعر :
إحدى بليلي وما هام الفؤاد بهاإلا السفاه وإلا ذكرة حلما

تفسير هذه الآية من كتب أخرى